اجتمع مجلس الوزراء يوم الخميس 22 أكتوبر 2015 تحت رئاسة صاحب الفخامة السيد محمد ولد عبد العزيز، رئيس الجمهورية. وقد درس المجلس وصادق على مشاريع المراسيم التالية:

تابعت فيلم "تيمبكتو" للمخرج الموريتاني عبدالرحمن سيساغو لأكتشف أنه فعلا يستحق التكريم من طرف الأوروبيين ليس لأنه رائع من الناحية الفنية وليس لقدرة ممثليه ومخرجه على تقديم عمل سينمائي فني متكامل ولكن لأنه ساعد الأوروبيين فى إيصال رسالتهم المشحونة ضد الإسلام بغض النظر


ما إن بدأ الحديث عن قرب انطلاق حوار شامل وكامل بين كافة الأطراف السياسية في البلاد بغية تقريب وجهات النظر بينهم في كلما من شأنه أن ينقذ العباد والبلاد مما يحدق بها من مخاطر داخلية وخارجية وبلا خطوط حمر أو صفر أو زرق...., حتى بدأ البعض من الكتاب والسياسيين

أعتبر الفيلسوف الكبير كونفشيوس (كونزة) في جوابه لأحد تلامذته حينما سأله "كيف يجب أن تُحكم الدولة، فقال: أن يتوفر طعام كاف وتجهيزات عسكرية كافية وثقة الشعب في حاكمه." عاد التلميذ وسأل: " إذا لزم الاستغناء عن أحدها فبأيها نبدأ؟" قال كونفوشيوس: "التجهيزات العسكرية." فقال التلميذ وإذا لزم الاستغناء عن مقوم آخر فبأيهما نبدأ، قال الحكيم الصيني: "جزء من الطعام، فمن قديم الزمان الموت هو قدر كل الناس، ولكن إن لم يكن لدى الشعب إيمان بحكامه، فلا مبرر لوجود الدولة."
نعم إنه إيمان الشعب بحاكمه وثقته في المسؤولين عن تدبير شؤونه، ثقة تدفع على الاستقرار وتساعد الدولة في النمو والتطور.
لم تكن موريتانيا بحاجة للاستقرار بقدر ما هي محتاجة إليه اليوم، حيث تعيش منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها الرائد صالح ولد حننة فترة استثنائية لم تقم بها سلطة مستقرة استقرارا يعود على البلد بنتائج هو في أمس الحاجة إليها، فبعد فترة انتقالية لسنتين انشغل فيها الجميع بترتيب المرحلة القادمة ووضع النصوص والقوانين وتنظيم الانتخابات وخرج عصب الدولة منها منهكا لكن المناخ السياسي والروح الإيجابية التي سادت تلك المرحلة أراحت الجميع واستبشر بها خيرا، خصوصا بعد تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة باركتها كل الأطياف السياسية ورضيت بمفرزاتها، بيد أن الأوضاع ما لبثت أن انتكست من جديد وعاد الجميع إلى نقطة الصفر بعد تحالف قيادات الجيش ونخب سياسية من الأغلبية الحاكمة والمعارضة العتيقة، ودخلنا في متاهات قانونية و دستورية ما زلنا في تداعياتها رغم الاتفاق على المسار الديمقراطي والمرحلة الإنتقالية الثانية.
لكن النخب المعنية باستقرار الدولة ظلت حبيسة أطماعها السياسية ما إن تأتي النتائج بعكس إرادتها حتى تنقلب على كل التفاهمات، وهكذا ظلت الخلافات السياسية تعصف بمستقبل البلد و بطموح المواطن البسيط في توفير ظروف من الاستقرار يمكن معها الإنجاز والتعمير وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، فالسلطات الحاكمة منشغلة بصراعات جانبية مع المعارضة، وتحولت المعارضة عن دورها الأساسي في مراقبة أداء الحكومات مراقبة نزيهة، تماماً كانشغالها عن بناء قواعد جماهيرية واسعة تمكنها من تغير حقيقي انطلاقا من صناديق الاقتراع!
ليست هنا بوارد تقييم أداء الحكومة بحكم مسؤوليتها الأولى عن إدارة دفة الصراع لأن الأزمة تخطت أداء الحكومة إلى دور كل النخب المعارضة والموالية، فلكل منهما دور بارز أعاق عملية الانتقال وحولها عن مسارها الصحيح، ليصبح الصراع على السلطة بدل التفكير جديا في التنمية والاستقرار، ودخلنا في ما يمكن أن يطلق عليه حالة طوارئ وطنية شاملة، تبدو فيها حياة المجتمع مهددة اجتماعيا و اقتصاديا و امنيا و سياسيا و اداريا، إذ لا يمكن لدولة مهما كانت قوتها الاقتصادية وتماسكها المجتمعي أن تتحمل عقدا كاملا من الصراع السياسي، أدى إلى فقدان الناس للثقة في الدولة بكل مؤسساتها ورموزها -وقد سبقت الإشارة- إلى أن أكبر تهديد يقوض أركان الدولة هو انعدام الثقة في الحاكم وتراخي يد الدولة، وبعدها عن التفاصيل الدقيقة لحياة الناس، المعيشية والخدمية وحتى علاقاتهم فيما بينهم، لذلك ليس من الغريب أن نشاهد في الفترات الأخيرة بداية انفراط العقد المجتمعي وبروز خلافات عرقية وجهوية هي النتيجة الحتمية لانشغال النخبة عن التفكير في أحوال المجتمع ومشاكله والدولة وكيانها وانحسار الهم العام في نقطة واحدة هي من يحكم وكيف يحكم.
الفرصة الأخيرة:
أمامنا فرصة مواتية بعد تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية -بغض النطر عن نتائجها وطرق تنظيمها- فللواقع إكراهاته ولابد في لحظة ما أن ينتبه الجميع إلى الخطر الأكبر وهو فشل الدولة و تآكل النسيج المجتمعي، ورغم كل الأخطاء وكل الارتكاسات لدينا حكومة قائمة وبرلمان يشتغل بكل حرية مع ما يصاحبه من محدودية في الدور وقصور في الأداء.
يمكن البناء إذا على هذا المعطى وتحويل الأنظار إلى المشاكل البنيوية للدولة، واقتطاع وقت يسير يركن فيه الجميع لراحة معوضة، تسمح للنظام بالإنجاز والانشغال بدوره الرئيسي كما يسمح للمعارضة بترتيب صفوفها وإعادة بناء أطرها، والتواصل مع قواعدها الشعبية، وتكريس ثقافة التعايش بين جميع الأطراف السياسية والإدلوجية، وتأخذ النقابات بدورها في رعاية مصالح منتسبيها رعاية مهنية بعيدة عن الإكراهات السياسية.
خمس سنوات قادمة كفيلة بترميم البناء وإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح، ومراجعة العقد الإجتماعي بين كافة شرائح المجتمع تأخذ الدولة فيه زمام الأمور وتعالج المشاكل العرقية التي أصبحت الخطر الداهم الذي يهدد مجتمعنا بعد تكاثر النعرات الطائفية والإثنية نتيجة إهمال الدولة للمشاكل الحقيقية لشرائح ظلت ترزح تحت غبن اجتماعي وظلم تاريخي عجزت كل الأنظمة المتعاقبة في القضاء عليه، ولم تعد المهدئات والحلول الجزئية تجدي معه بعد جنوح البعض لتدويله والإقتيات على عذابات أناس راحوا ضحية ظلم تاريخي وإهمال رسمي ومتاجرة رخيصة!
ليست دعوتي للاستقرار و البحث عن كلمة سواء كدعوة الحكام وأزلامهم من من خيروا الشعوب بين الفوضى والاستبداد، لكنها دعوة صادقة للاتفات الى الدولة المنهكة بفعل الصراعات والإنتاقالات والانتخابات، والحوارات ووالأحزاب والمنتديات حتى أصبح المواطن العادي يقتات على أخبار السلطة والمعارضة، ومن الغريب أن تجد الجميع يهتم بهذه الأخبار وتشغل حيزا كبيرا في تفكيره، وأكاد أجزم أن المجتمع الوحيد الذي يترقب بفارغ الصبر نتائج اجتماع الحكومة الأسبوعي لا لمعرفة القرارات التي تمس مصالحه وحياته المعيشية بل لمتابعة التعيينات والمراسيم المتعلقة بحوار السلطة والمعارضة.
إن الاستقرار الذي أصبو إليه استقرار يشمل الفكر والتصور ويشمل الاستقرار الداخلي والسياسي والاجتماعي المبني على وسائل الرضا والمشاركة والديمقراطية والعلاقة الايجابية والمفتوحة بين مؤسسات الدولة والسلطة والمجتمع بكل مؤسساته المدنية والأهلية وشرائحه الاجتماعية وفئاته الشعبية .. لذلك يكون الاستقرار ، بمثابة النتاج الطبيعي لعملية الانسجام والتناغم بين خيارات الدولة، وخيارات المجتمع؛بحيث يصبح الجميع في مركب واحد ، ويعمل وفق أجندة مشتركة لصالح أهداف وغايات واحدة ومشتركة ..
وإن توفرت فرصة من هذا النوع سيكون لها دور بارز في نقل بلدنا من حالة التردي التي يعيشها منذ نشأته، فقد أعيته الإنقلابات وأنهكته الانتخابات، وآن لساستنا -ولا أحاذر في الأقوام من أحد - أن يعرفوا أن المشكلة فيهم وفي جشعهم وتكالبهم على السلطة والنفوذ! لو كانت إدارتنا مستقلة عن كل التجاذبات السياسية والخلافات الجزئية، لوجد السياسيون فرصة للصراع على السياسات العامة وتدافعوا كيفما يشاؤون، لكن الإدارة في بلدنا إدارة ضعيفة مرتبطة بشكل عضوي بالرئيس والوزير من أقل بواب إلى أعلى منصب في الوزارة .
يجب أن يقول الجميع بصوت واحد كفى! كفى صراعا وتنظيرا وكفى حوارات جوفاء لا تلد إلا حوارا آخر وانتخابات أخرى.... فلم نعد نتحمل سنوات أخرى من التشرذم والتخبط وحالة الطوارئ.

تظهر في الآونة الأخيرة أصوات تطالب بحكم العسكر بوصفهم مخلّصين وضمانة الاستقرار في بلدان الوطن العربي، وتطلق الأصوات ذاتها هجاءها ورثاءها لما تقول إنها غابات منفلتة من عقالها في بعض دول الربيع العربي تستوجب حضور العسكر حماية للشعب من الفوضى والدمار.
حلقة "الاتجاه المعاكس" في 2/9/2014 قرأت هذا المشهد، كما طرحت أصوات المنادين باسم العسكر قدمت مقابلها الأصوات التي تربط الخراب العام في أي بلد عربي بوجود العسكر في قباب الرئاسة وليس على الحدود.
وتساءلت الحلقة: لماذا يظهر العسكر بعد أحداث الربيع العربي وكأنهم المخلّصون مع أن البلاد رزحت تحت حكم الجنرالات عقودا طويلة وكانت بلادا مستقرة ولكنها مستقرة في الفقر والجهل والتخلف؟
الدبلوماسي السابق وأحد مؤسسي حركة رشاد محمد العربي زيتوت قال إن "عودة العسكر" ليست عبارة دقيقة، فهم لم يخرجوا حتى يعودوا بل حكموا من وراء ستار، والحقيقة -يضيف- أن العودة هي لجر الشعوب مرة أخرى إلى الحظيرة.
مناشدة العسكر
أما الكاتب الصحفي محمد محمود ولد محمد أحمد فرأى أن الشعوب العربية حين ناشدت العسكر كي يعودوا فإنما بحثت عن الأمن والاستقرار، اللذين لا تستطيع النخب السياسية توفيره، متسائلا هل بإمكان هذه النخب أن تحمي الشعب من الغابة المنفلتة حيث كل رجل في اليمن يصعد جبلا ويرفع عليه علمه، وكل مجموعة في ليبيا تستخرج النفط وتبيعه خارج إطار الدولة؟
وشدد ولد محمد أحمد على أن المؤسسة العسكرية حفظت ما تبقى من الأوطان مما سماها "الأوثان الديمقراطية" التي دمرت البلاد وجعلت الناس يحنّون إلى العسكر، معتبرا "أننا نعيش الحرب العربية الأولى (على غرار العالمية الأولى) بسبب الربيع العربي".
بين عسكر وعسكر
وردّ زيتوت بأن الربط بين الاستقرار والعسكر فيه تعسف وإلا لماذا لا يحكم في الغرب عسكر ومع ذلك هناك استقرار وأمن ودولة يحكمها القانون والعسكري تحت إدارة الحاكم المدني. وطالب زيتوت مقدم البرنامج فيصل القاسم بأن لا يكرر تعبير "المؤسسة العسكرية"، حيث إن كلمة مؤسسة لا تناسب الجيوش العربية بل العصابة، على حد قوله.
وجال على دول عربية عديدة بادئا بالجزائر التي قال إن صورتها باتت مضحكة في العالم بسبب الجيش الذي دفع برجل إلى عهدة رابعة وهو في حالة عجز صحي بينما يعيش 50% من الجزائريين تحت خط الفقر، وفي سوريا التي عاشت تحت جيش ومخابرات أرعبا الشعب لكنهما يعجزان عن منع اختراق طائرة إسرائيلية.
وقارن زيتوت بين كوريا وماليزيا وتركيا التي تشابهت أوضاعها بأوضاع دول عربية كمصر والعراق والجزائر، مضيفا "انظروا الآن أين هذه الدول وأين الدول العربية التي حكمتها الجيوش؟"، مشيرا إلى تركيا التي قفزت اقتصاديا من مرتبة 112 إلى مرتبة 16 عالميا.
أصر ولد محمد أحمد بدوره على أن الشعوب العربية لا تريد التغيير إلا في ظل الاستقرار وأن بعض العسكر أكثر ديمقراطية من المدنيين ضاربا بذلك موريتانيا مثلا حيث يمكن لأي شخص أن يشتم الرئيس محمد ولد عبد العزيز -وهو عسكري- دون أن يتعرض لمحاسبة، على حد قوله.

م. احمد سمارة الزعبي /
الإشكالية الحقيقية التي تواجه الناس، اضطرارهم للعيش في بيئة ضبابية غير واضحة المعالم، حيث الفرد يرتبط باصوله وظلاله وماضيه، برغم التحولات السريعة التي تجري حوله، فهو يحمل (أنا) متشظية، وهُوية مبعثرة، بين ما هو قبلي (ما قبل)، وما هو راهني (راهن)، ويسير بلا اتجاه، وببعد واحد، نحو مستقبل يعيد انتاج الأنا نفسها والهُوية ذاتها، هنا يتبدى التناقض الحاد، على مستوى الذات الواحدة، بين (انا) تعتقد انها مستقرة ومطمئنة تسكن في كهفها القديم، وبين الانا الراهنة نفسها الممزقة والمنفصلة، التي تبحث عن خلاصها في البحث عن التعبيرات المدينية التي تستوعب الجميع، عبر تامين تواصل حي وايجابي بين الانسان والذاكرة من خلال تجربته الماضية وواقعه المعاش.
لا شيء يوحد بين الناس، سوى خضوعهم جميعا لقانون التدجين، وأقسى مستويات القطيعة بين الناس، هذا الكهف الذي يحد من كل محاولة للتواصل، وينعش الوهم في اعادة احياء الماضي، والاختباء داخل الكهف، والحنين الى كل ما هو لم يعد قائما، والعمل بكل الامكانات، لصياغة رؤية رمزية للزمن، في لحظات ماضية، مرتبطة بالجهل والتخلف، والخوف من كل ما هو جديد، لا بل فان الأخطر من ذلك كله، انخراط المثقفين بشكل عام، في معركة الدفاع عن الكهف، وتسويق ثنائية الموت والانهيار، عبر تقسيم الناس الى مؤمنين وكافرين، مسلمين وعلمانيين، وطنيين ولا وطنيين، تقدميين ورجعيين، محجبات وسافرات، الى اخر ما انتجه العقل البشري، من ثنائيات التحجيم والإقصاء والتهميش، الذي مارسه ويمارسه المثقفون، في التيارات الاسلامية والقومية واليسارية والليبرالية على حد سواء.
ان إعادة الاعتبار للتطور المجتمعي الهادئ، للعبور نحو المدينة، يتطلب تغييرات اقتصادية – اجتماعية – ثقافية، تتجاوز اّثار فكر الترييف، والمناطق المهمشة المنتجة للعنف، والاستبداد الثقافي والمعرفي، للوصول اولا الى شكل تعبيري لمدينة ديمقراطية، قائمة على الاختلاف والتعدد، ومؤمنة بالحراك السياسي والمطلبي والثقافي، ومتسامحة ومستوعبة للراي الاخر، من خلال استخدام ادوات مدنية، مرتكزة على الحوار والديمقراطية، في تكوينها وفكرها وسلوكها، كما ان اعادة انتاج المدينة، كمفهوم في الفعل الثقافي والحياتي المعاش، يتأتى من خلال احداث ثورة بالمعنى الحقيقي لفلسفة التربية والتعليم، والتعليم العالي، عبر مشاركة ديمقراطية وجماعية لكل المكونات الثقافية، بعيدا عن الهيمنة والإقصاء، ترتكز على الأمة كمفهوم تاريخي، وحاجة ماسة للحاضر والمستقبل، مستفيدين من تجارب الدول الأخرى، والأمم التي تجاوزت إشكالياتها التاريخية، كالتجربة الماليزية، والتجربة اليابانية، وتجارب خاصة في كل من سنغافورة وفنلندا. سيادة حالات الغضب على الدولة، وارتفاع منسوب المطلبية، عبر ممارسة كافة اشكال الضغط والتصعيد من اجل تحقيق المكاسب الفئوية، وسيادة خطاب الكراهية في الاعلام، ولدى النخب السياسية، وحالات التيئيس من المستقبل، وفقدان الثقة، وزيادة حالات التذمر والاعتراض والرفض، وعدم القبول بالخطوة الاولى، من دون معرفتها او الى اين تقود، كلها مظاهر سلبية، تدل على التخبط والتيه المجتمعي، التي ربما تؤدي الى مزيد من التأزيم والتقوقع داخل حاضنات مرحلة ما قبل الدولة، كما تؤشر الى غياب منظمات مجتمع مدني وطنية، تأخذ على عاتقها، مهمة السير قدما، نحو مجتمع مدني حقيقي، عبر برنامج عمل واضح ، يحدد الاولويات، للعبور الامن نحو أهداف واضحة، عبر نضالات سلمية، في مواجهة القوى التي تحول دون الانتقال الى الدولة الديمقراطية المنشودة.

جميع الحقوق محفوظة للموقع -

قبل ما يناهز خمس سنوات من الآن لم يكن أكثر المحللين السياسيين تفاؤلا وإنصافا ـ حسب منظري سياسات التشكيك والتبخيس، وهم كثر يومها ـ ولا حتى أقلهم تحاملا على بلادنا من الداخل أو من الخارج أو منهما معا، بسبب أو بغير سبب، وبغض النظر عن ميولهم السياسية أو توجهاتهم، لم يكن هؤلاء يرون بحكم مواقف عاطفية أو سياسية معينة، أو بفعل تغلب غريزة تقديم المصالح الضيقة والآنية لدى بعضهم، أو بحكم اختلال المنطق والطرح المفكك الذي عليه بنى آخرون مواقفهم حينها، أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية آنذاك قادرة أكثر من أي وقت مضى على استعادة ألقها التاريخي ومكانتها المستحقة في وسطها الطبيعي إسلاميا وعربيا وإفريقيا، بشعبها الذكي والكريم والأصيل، وبقيادتها الجديدة، المنبثقة من خياراته الديمقراطية الحرة، والمنطلقة من رحم الفكر الشبابي المجدد والمتشبث بإعادة التأسيس أسلوبا وبالتغيير البناء نمطا مبدعا في تسيير الشأن العام، وروحا مدفوعة بوقود الرغبة الجامحة في إحياء أمجاد موريتانيا بكل امتداداتها وجذورها الموغلة في صميم هويتها الإسلامية والعربية والإفريقية، بتنوعها البديع حد التفرد نموذجا في محيطها بكل ما يحمله تاريخها العتيد قديما وحديثا من عبق شنقيط ووهج الرباط ، وإشعاع المحظرة واللوح والقلم، ومن تشعب مسالك قوافل الفاتحين والمرشدين إلى سبل العلم و الهداية في شتى أقاليم القارة السمراء ، جنوبا وشمالا غربا وشرقا، مستجمعة أمجاد حضورها المتألق ومشاركتها الناصعة في صناعة سنوات التحرر والاستقلال في إفريقيا وإسهاماتها الفاعلة في تشييد صرح المنتظم الإفريقي ووضع حجر الزاوية في جدار انبعاث الحلم الإفريقي الكبير المنبثق من ملاحم وبطولات المقاومة المجيدة من أجل سيادة وكرامة وتحرر شعوب القارة من نير الاستعمار.
أما وقد تبين اليوم بالفعل لا بالقول، واستحقاقا لا تطفلا ولا تصنعا أن حمَلة مشروع إعادة التأسيس ومهندسي صياغة حلم إحياء الدور الحضاري والتاريخي الموريتاني المشرف قبل وبعد الاستقلال كجسر سلام وتواصل وتكامل وإشعاع ممتد بين شمال وغرب إفريقيا وشرقها وجنوبها وشمالها، تبين أنهم كانوا محقين وعلى رأسهم عراب هذه الانجازات رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز وهو أول المؤمنين بها فكرا ومشروعا حوله بتوفيق من الله وبعزيمة وإرادة وتصميم إلى واقع نعيشه جميعا ، يتقبله أغلبنا ككل الانجازات التي تحققت في عهد رئيس الجمهورية ، وتتجاهله وتحاول التشكيك فيه ثلة معزولة بفعل الخلط المرضي لديها بين ما هو شخصي كعدم تقبلها لخيارات أغلبية الموريتانيين في جميع الاستحقاقات السياسية والانتخابية منذ تولي رئيس الجمهورية رئيسا منتحبا مقاليد السلطة في البلاد، وبين ما هو وطني ككل ما يرفع من شأن البلاد والعباد لا لشيئ سوى أنه تحقق في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز .
وعلى كل حال فالفرق هنا جد بيٍِِِن بين رئيس الجمهورية الموكل الشرعي والناطق الرسمي دستوريا وقانونيا باسم كل الموريتانيين لحين نهاية مأموريته الرئاسية الدستورية، بما فيهم الأقلية التي صوتت ضده في الانتخابات الرئاسية ، وهو الذي يسعى جاهدا لتحقيق المزيد من الانجازات ذات الصبغة السيادية والوطنية والصيت الإقليمي والدولي الناصع الذي يعيد موريتانيا اليوم إلى مكانتها المعهودة في المحافل الإقليمية والدولية بعد ما أعاد إلى مواطنيها الثقة في مفهوم وهيبة الدولة في الداخل وبعد أن ظلت قبله ولعدة عقود تنتقل من عزلة إلى عزلة ، إن حضرت لا تستشار وإن غابت لا تذكر، أوليس الفرق بينه ومن التفوا حوله من الموريتانيين المنصفين وإياهم كبير وهم من يحاولون اليوم عبر أصوات مبحوحة وأقلام مكسورة واسطوانات مشروخة التشكيك في فتوحات دبلوماسية رفيعة المستوى تتالت كحبات العقد الفريد مرصعة جبين الغريب قبل القريب ورافعة رؤوس كل الموريتانيين في الداخل والخارج المعارض منهم قبل الموالي والصامت منهم قبل المصفق كما يحلو لهم تسمية كل من يعبر عن تقديره لأي إنجاز وطني هم أول المستفيدين منه، إنها بيانات ومقالات وتدوينات وتصريحات تدعو إلى الشفقة على أصحابها إذ هي أشبه بنقيق الضفادع لا تكاد تبين إلا عن مواضع المياه الآسنة والمستنقعات العكرة والأوحال التي تكاد تجف، إن لم تكن قد جفت فعلا تحت وقع وهج أشعة الشمس الناصعة والمشرقة بالأقوال التي تتحول إلى أفعال، ولم يعد أمام أصحابها إلا بيات شتوي قد يطول.
إن الذين شككوا بالأمس القريب وما زالت مكابرتهم تملي عليهم المزيد من التشكيك في أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز قادرة على الخروج من المرحلة التي كانت فيها الغائبة أو المغيبة دائما عن السوح الدبلوماسية الإقليمية والعربية والدولية، والمحاصرة بسلسلة الأزمات الداخلية والهموم المرتبطة بتسيير الشأن العام اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وبعدم الاهتمام بالقضايا والثوابت الوطنية الكبرى وبنظام الحكم وأزمات غياب نموذج جاد للنظام الديمقراطي في البلاد لعقود طويلة كنا نخجل فيها طلابا ومسافرين وتجارا وعابري سبيل في مناكب الأرض وحتى ونحن نتابع نشرات الأخبار الدولية من غياب أي ذكر لبلاد شنقيط أرض العظماء أرض جهابذة العلماء والأئمة والمجاهدين بالحكمة والسيف والقلم وبدبلوماسية الفكر والثقافة والسياسة وهم كواكب الشناقطة الذين فجروا آفاق الدنيا بعلمهم وورعهم من أمثال ولد التلاميد ولمجيدري ولد حب الله وبداه ولد البوصيري والمجاهدين الشهداء البررة من أمثال ولد عبدوك والحاج عمر تال وفودي اجياكيلي وسيدي ولد مولاي الزين والشيخ ماء العينين ورعيل البررة من جيل المؤسسين العظام كالأب الراحل الأستاذ المختار ولد داداه ورفاقه الأشاوس . ألم يدرك الذين عاشوا كغيرهم من الموريتانيين حرج النكران والتجاهل والتهميش والإقصاء من حلبات الفعل والتأثير في الشأن الدولي أنهم و هم من يقزمون ما تم إنجازه مؤخرا أنهم بحاجة اليوم قبل الغد إلى مراجعة المعاني والدلالات التي ترمز إليها سلسلة الفتوحات الدبلوماسية الهامة التي تحققت في السنوات الثلاث الماضية فقط، ولعل التذكير بها ينفع المكابرين:
فقبل ثلاث سنوات من الآن استلم رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي حيث كان ذلك في أوج اندلاع أزمتي ليبيا والكوتديفوار وتولت بلادنا بحكم رئاسة مجلس السلم قيادة لجان الوساطة الإفريقية في هذين البلدين الشقيقين ولعب رئيس الجمهورية أدوارا بارزة للتخفيف من تبعات تلك الازمات المستعصية حتى على القوى الكبرى في العالم وذلك بشهادة الممثل المقيم للأمين العام للأمم المتحدة في غرب إفريقيا سعيد جنيت وأمين الاتحاد الإفريقي للأمن والسلم في تلك الآونة رمضان لعمامرة وزير الخارجية الجزائري الحالي ورئيس جنوب إفريقيا الحالي جاكوب زوما ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي السابق الغابوني جان انبينغ وغيرهم من الزعماء والقادة الأفارقة وممثلي المنظمات العربية والقارية والدولية البارزة والشهادات موثقة في أرشيف تاريخ الأحداث وكان لها الأثر البارز في لفت الانتباه إلى ان موريتانيا لا تمتلك فقط احتياطيات هامة من المعادن والثروات الحيوانية والبحرية النادرة، بل إلى أنها تمتلك فوق كل ذلك ثروات بشرية هامة كانت تعيش في ظلام التهميش والتقاعس والإقصاء ، وهي ثروات دبلوماسية وسياسية وخبرات فنية هائلة تمكنها من دخول الملاعب الكبرى في الساحة الدبلوماسية الإفريقية والعربية والدولية.
وكان للحضور الموريتاني البارز في تلك الآونة في جميع القمم الإسلامية والإفريقية والعربية والدولية أثر فعال في الدفع بها إلى الواجهة خاصة بعد مؤتمر الدوحة التاريخي والقرار الشجاع الذي أعلن فيه رئيس الجمهورية عن قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني الغاشم بدون رجعة أمام ذهول الجميع لتطلق موريتانيا من الدوحة رسالة فحواها نحن عائدون وبقوة إلى صف الإجماع العربي والإسلامي والإفريقي من بوابة تبني كل القضايا العادلة في العالم وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وبدأت عجلة الدبلوماسية الموريتانية تدور بسرعة مضاعفة لتعويض ما فاتها من جراء أخطاء وكبوات الأنظمة السابقة التي حكمت البلاد، كان لابد من تكييف الاجندة الموريتانية مع متطلبات الحضور الفاعل والقوي، وهو ماكان في محيطنا المباشر من خلال العمل الحثيث على رأب الصدوع الموروثة عن الحكومات السابقة لعام 2009 في العلاقات الدبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة فتم التركيز على إنعاش وتنشيط هياكل منظمة استثمار نهر السنغال عبر رئاسة بلادنا لها بوصفها أحد أحسن اطر الاندماج الإفريقي "وفي هذا الإطار، أشرف رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز بحضور رؤساء كل من السنغال ومالي وغينيا كوناكري ، يوم 17 دجمبر الماضي، على تدشين محطة "أفيلو" الكهرومائية بمدينة "خاي" في مالي التي يعود وضع حجرها الأساس إلى تاريخ 30 أكتوبر 2009 والتي تعد باكورة الجيل الثالث من البنى التحتية التنموية الهامة لمنظمة استثمار نهر السنغال.
ويجد الدور البارز للدبلوماسية الموريتاية في السنوات الأخيرة عدة تجليات بارزة للمتبع العادي وليس أقلها أهمية الجهود الكبيرة التي بذلتها بلادنا تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز في سبيل وضع آلية استباقية للحد من استفحال الازمة المالية في وقت مبكر غير أن عدم استجابة بعض الأطراف الرئيسية يومها في المعترك المالي الداخلي حالت دون المطلوب، وظلت موريتانيا وفاء بالتزاماتها نحو الأشقاء الماليين تحافظ حتى اليوم على دور الشقيق المرشد والسند الكريم سعيا إلى استعادة مالي الشقيقة استقرارها وسكينتها كما فتحت صدرها رحبا لاستقبال اللاجئين الماليين الفارين من جحيم المواجهات المسلحة بين القوات الفرنسية والإفريقية مع الجماعات المسلحة التي استحوذت على الشمال المالي لعدة شهور، وقد نال الدور الموريتاني البارز في تأمين اللاجئين وإغلاق الحدود الموريتانية المالية لمنع تسلل الجماعات المسلحة وعدم توسيع دائرة العمليات العسكرية في الساحل والصحراء إعجاب وتقدير الاتحاد الإفريقي والاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة ومثل لبنة أخرى في جدار الصرح الدبلوماسي الموريتاني رغم ما لقيه ذلك من تشكيك في البداية انتهى بانقشاع غبار المعارك عن دور موريتاني لا لبس فيه اتسم بالحكمة والتأني وبالقوة الناعمة دون تهور أو تسرع.
وعلى صعيد التكامل بين الوسطين الدبلوماسيين العربي والإفريقي كان دور موريتانيا بارزا في القمة العربية الإفريقية بالكويت حيث لعبت موريتانيا داخل كواليس القمة دورها الطبيعي كعنصر التقارب الموضوعي الأبرز بين الأفارقة والعرب على مر التاريخ ـ مع تجاهل عقود الغياب غير المبرر ـ وذلك من خلال تقريب وجهات النظر حول القضايا المشتركة بين المجموعتين وترتيب سبل التفاهم بينهما حول قضايا التعاون والتبادل الاقتصادي والسياسي والثقافي.
وفي هذا الإطار يأتي ترأس وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية السيد سيدي ولد التاه نهاية الأسبوع المنصرم بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية بالقاهرة أعمال الدورة الثالثة والتسعين للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية ما سيمكن موريتانيا التي تتولى الآن الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي من الإسهام في تعزيز التعاون العربي الأفريقي اعتمادا على موقعها الجغرافي و انتمائها المزدوج للمحيطين وانشغالها الطبيعي بضرورة التكامل والتواصل المستمر بينهما.
وعودة بنا قليلا إلى قمة الكويت العربية الإفريقية التي شكلت فرصة سانحة لعقد قمة استثنائية لرؤساء دول منظمة السلس التي ترأسها رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز وحضرها قادة كل من السنغال وبوركينا افاسو والنيجر وغينيا كوناكري واتشاد لتزيد من التألق الموريتاني في العام المنصرم وتلعب دورا بارزا إلى جانب الثقة الكبيرة التي تحظى بها بلادنا أيضا لدى بلدان شمال إفريقيا والمغرب العربي هذه البلدان التي عبرت لاحقا في القمة الثانية والعشرين للاتحاد الإفريقي قبل أزيد من أسبوعين في أديسبابا عن اعتزازها الكبير بنيل موريتانيا الرئاسة الدورية للاتحاد بكل جدارة واستحقاق وبمباركة الدول الأعضاء فيه وتزكيتها، وقد جاء هذا التألق الثاني من نوعه بعد ما يزيد على أربعين عاما من الحضور الباهت تتويجا للتقدير الكبير الذي حظي به العمل الدبلوماسي الموريتاني خلال السنوات الأربع الأخيرة واحتفاء بالجهود الكبيرة والحثيثة التي بذلتها بلادنا تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز في نشر وتدعيم قيم السلم والتعايش والأمن والحرية والديمقراطية والحكم الرشيد عبر مسارات التعاون والشراكة والعلاقات الدبلوماسية الطيبة مع كل بلدان القارة دون استثناء.
ولعل آخر أبرز تألق يؤكد سير الدبلوماسية الموريتانية في اتجاه المزيد من الإصرار على الحضور الفاعل في محيطها الإفريقي ومن خلاله في القضايا الكبرى التي تهم الأمن والسلم والتنمية في العالم من حولنا هو احتضان بلادنا أمس الأحد 16 فبراير 2014 للقمة التأسيسية للمنظمة الوليدة : "مجموعة الخمس للساحل" تحت رئاسة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز وبحضور كل من أبليز كامباوري الرئيس البوركينابي، محمدو يوسفو رئيس النيجر، ابراهيما بوبكر كيتا الرئيس المالي، وادريس ديبي إتنو الرئيس التشادي، ولا شك أن هذه المنظمة الوليدة ستشكل إضافة نوعية لمستوى الوعي لدى الحكومات والأنظمة الإفريقية من خارج فضاء الساحل وحتى لدى الشركاء الدوليين لإفريقيا بضرورة وضع المزيد من الآليات والضوابط الكفيلة بتضييق الخناق على المخاطر والتهديدات الكبرى التي تستهدف الأمن والسلم والتنمية والاستقرار في إفريقيا، وبذلك يكون رئيس الجمهورية رئيس الاتحاد الإفريقي السيد محمد ولد عبد العزيز قد أضاف إلى السجل الدبلوماسي الموريتاني في أقل من فترة رئاسية واحدة رئاسة خمسة منظمات وهيئات إفريقية هي الأهم والأكبر دفعة واحدة وهي: الاتحاد الإفريقي، منظمة استثمار نهر السنغال، المنظمة الجديدة مجموعة الخمس للساحل، مجلس السلم والأمن الإفريقي قبل ثلاث سنوات، اللجنة المشتركة لمكافحة آثار الجفاف في الساحل السلس.
وبعد كل تلك الاستحقاقات وما لقيته الجمهورية الإسلامية الموريتانية خلالها من نجاحات أخرجتها من حظيرة التهميش والإقصاء وسياسة المشاركات السياحية في القمم والمنتديات والملتقيات القارية والدولية إلى حلبة الدبلوماسية الفاعلة والمتألقة التي أعادت البلاد إلى مستوى حضورها التقليدي قبل أكثر من أربعين عاما وأحسن، حيث لم يسبق أن كانت موريتانيا منذ الاستقلال وحتى اليوم ترأس خمس منظمات وهيئات قارية وإقليمية بشكل متزامن قبل هذا العام، وهو ما يجعلنا نقول بكل موضوعية وبعيدا عن السياسة، إن رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز هو عراب الوصل بين إحياء أمجاد الماضي والثقة في انجازات الحاضر، تأسيسا لمستقبل أفضل لموريتانيا ، تستحقه علينا جمعيا.
عاشت موريتانيا متألقة على الدوام، والله ولي التوفيق.

ما أقسى العبارات المستخدمة مؤخرا لوصف أساليب تدبير الشأن العام، وما أدهى تنامي سلطان النسبية الأخلاقية والعجز الأدبي الآئل إلى امتهان الشرعيات وسيادة أسوء مفاهيم الأنانية: "أنا أو الطوفان".
ما أفظعها من وضعية. وما أخطر الإفراط في هُجْر القول والعبث بالرمزية السياسية للدولة. ما أخطر التحلل من البعد الإيماني وما أكثر الخطايا المترتبة على ذلك التحلل في ميادين مختلفة: في فضائينا التفاعلي، في مؤسساتنا السياسية، في هياكلنا التربوية، في قطاع أعمالنا ... وفي ميدان الاقتناء الإداري.
ففي كل هذه الميادين ارتكبت ولا تزال ترتكب للأسف الشديد أخطاء قاتلة تحت أغطية المشروعية.
إن التصورات المجتمعية المبنية على المشروعية القانونية - بما فيها الديمقراطية- ليست سُننا تعبدية وإنما هي سبل لجلب المصلحة العامة المتأتية من التشغيل الشامل لكافة موارد المجتمع .
لذا يتعين النظر الى المشروعية القانونية على أساس أنها مجرد وسيلة وليست غاية في حد ذاتها بل الهدف هو ريع تلك المشروعية باعتباره الضامن للتمتع بالحق. فالحق يجب ان يكون محور الغايات ومسوق التدبير فهو أصل الملك في خلفيته المشكلة للعدل كأداة للطمأنينة.
علينا - والحال هذه – استنباط أنماط تسييرية تحارب الاحتكار وتفي بمتطلبات التوزيع العادل وتجفيف مصادر الحرمان بواسطة الارتكاز على الخبرة المسلحة بأدوات جادة للإنصاف وليس عن طريق الترقيعات القانونية ، فالقانون لا يحظى بالمصداقية لأنه منصف بل لأنه قانون.
ولقد أعطى التقاعس الأوروبي الملاحظ في مصر بعدا خرافيا للقانون، كما ان التقبل الأمريكي للانقلاب واستمرار التعاون مع الحاكمين الجدد برهن على خواء الدعائم المؤسسة لدولة القانون و التي تبدو اليوم كبذخ نصوصي يستبيح الحيف ويستهوي صولة الركاكة.
فماذا يجني العامة من تنظيم ليس له انعكاس ايجابي على احترام الإرادة في تساوي الفرص والتمكن من المساهمة ؟
وما قيمة تسارع وتيرة النمو اذا كان الحق في الرخاء المعيشي حلما بعيد المنال لقطاعات عريضة من مجتمع المدينة وساكنة الريف عامة؟ ما الفائدة من كل ذلك؟ .. من جلب التمويلات، وحتى من الإفراط في الحريات؟ وماذا يربح الإنسان اذا خسر ذاته؟
ما نتيجة قانونية الدولة اذا لم تمنع النيل من المصطفى عليه أزكى السلام وتعاقب الدعوة الى الانفصال وتفتيت البنيات الاجتماعية؟ بماذا تفيدنا القانونية اذا لم تحُل دون تنامي المثلية وانتشار طيش الاغتصاب ؟ وغير ذلك من الأسئلة المحيرة التي لا تواجهها النخب المزيفة الا بعبادة الحكام او التفنن في التطرف والإلحاد.
وكمثل كل مسار تعيس ، يستمر نهج مواصلة الاهتمام الفولكلوري المبالغ فيه بعقدة دولة القانون مقابل إهمال الجوهر مما ساهم فى انتشار محاذير كثيرة كالعنصرية والفئوية والشرائحية ، التي غدت غولا يلتهم كل شيء.
نعم ان أزمتنا تستعصي دائما برغم انتخاباتنا ورغم انقلاباتنا وذلك لأنها تجلٍ للممارسة الطويلة لعدم المسؤولية ، تجلٍ للممارسة الممنهجة لتخريب المسلمات: كل مسلماتنا بما فيها المالية والاقتصادية .....تجلٍ لممارسة تدمير الكنه الثقافي والاجتماعي .
انها بالأساس تجلٍ لاستمرار التمسك بالأغلفة الخاوية كوهم حداثي يغتصب الصفة التمثيلية ويبتر ذاتية الجماعة في مظهر كوميدي يرفض الاعتراف بالنقص الذي لا يملك تجاوزه.
وهي لعمري نفس الأزمة التي تلمس د. برهان غليون جذورها في عمق تاريخنا الحديث والذي هو تاريخ استبعاد الجماعة من ساحة المبادرة والفعل والمشاركة .
وبرغم وجاهة صيحات الألم التي يطلقها المغاضبون من حين لآخر بخصوص عمق الأزمة ، فلم يكن لذلك ان ينال أدنى حد من الهبة والوقار نظرا لحرص هؤلاء المغاضبين على السير في ظلال المنفعة والاكتفاء بلعن ظلام الماضي دون التقيد بالأطر الناظمة لخلفيتنا الإيمانية.
وتذكرني عبثية الانجراف الحالي والتي هي تغريد خارج السرب بقصة - نشرتها سابقا - لأحد شعرائنا انشد في خروج رهيب عن الموضوع بكائية بها تعزل عديم التهذيب خلال ندوة شعرية لشجب الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 فرد عليه الشيخ عدود رحمه الله بكلمة "انديسان".Ndeyssan
وانديسان عبارة افريقية يستخدمها أخوتنا في الضفة للتعبير عن الحسرة والمعانات، أجرى الارتشاء اللغوي Corruption linguistique على تراتب حركية أحرفها تغييرا فبدل الرفع جزما ،ربما لكون العرب لا تبدأ بساكن ، كما أضاف ألـــــفا ليـــنة تنطق همزا قبل النون التي استحدثت.
وفي ذات المنحى اللساني مدها التداول العربي بأبعاد ومعان جديدة فغدت ردعا فكريا في شكل تمجيد يغلفه العتب الساخر.
والردع الفكري القائم على المحاججة الصارمة وتسيير إكراهات العون الخارجي هو ما نحتاجه اليوم لبناء دولة الحقوق القادرة على محاربة الرعب اللفظي و غيره من مظاهر تفكيك لحمتنا ....... فهل نحن فاعلون؟

اتضحت ملامح البرلمان الموريتاني منذ تمّ حسم مصير 122 من مقاعده في الشوط الأول، بانتظار 21 كانون الأول/ديسمبر الجاري لحسم 26 مقعداً متبقياً. والنتائج تشير إلى صعود التيارات الدينية بشقيها الموالي والمعارض.مقاطعة عشرة أحزاب معارضة لهذه الانتخابات شكلت دفعاً غير مسبوق للحضور الديني والقبلي، ذلك أن البرلمان الموريتاني الجديد سيعيش تحت رحمة الثنائية: من جهة لدينا «حزب التواصل الإسلامي» ممثل الإخوان المسلمين في موريتانيا وهو ينتمي إلى المعارضة، في حين سيكون الحزب الحاكم مرغماً على الاستغاثة بزعامات عشــائرية دخلت البرلمان عبر أحزاب صغيرة شُكلت على عجل أو اســـتخدمت للغاية، من جهة ثانية.

الأحزاب

منذ الاستقلال قبل 53 عاما، لم تشهد موريتانيا برلماناً يتوزع أعضاؤه على ثمانية عشر حزباً ويتولى حزب ديني زعامة معارضته، ويعجز حزبه الحاكم عن تحقيق أغلبية مريحة لتطبيق برنامج الرئيس. ووفق القانون، تُمنح امتيازات زعامة المعارضة للحزب صاحب أكثر المقاعد بعد الحزب الحاكم، وهو حال حزب «تواصل الإسلامي» الذي سيطر على 12 مقعدا ويستعد لتعزيزها في الشوط الثاني، في حين فشلت خمسة أحزاب معارضة من بينها حزب التحالف الشعبي التقدمي الذي يضم القيادات الأساسية للتيار الناصري، أبرز التيارات المسيطرة على النقابات العمالية والطلابية في موريتانيا. كما فشل «حزب الصواب» البعثي و«حزب الوئام» الليبرالي في تحقيق ما حققه الإسلاميون. و«زعامة المعارضة» هي مؤسسة رسمية لها إمكانيات هائلة وحضور قوي في صناعة القرار.

الدين والقبيلة

يعود صعود التيار الديني إلى غياب الأحزاب الاشتراكية واليسارية عن الانتخابات خصوصاً «حزب تكتل القوى الديمقراطية» الاشتراكي بزعامة احمد ولد داداه، وحزب اليسار الرئيسي في موريتانيا بقيادة محمد ولد مولود، و«حزب حاتم» بزعامة صالح ولد حنانه وهو حزب ناصري بارز. وهؤلاء قاطعوا الانتخابات ودعوا إلى مقاطعتها عامة. نال حزب «تواصل» مقاعد برلمانية كانت طيلة العقود الماضية حكراً على الأحزاب المقاطعة، كتلك الخاصة بمدينة وادي الناقة وبعض مدن الشرق الموريتاني.

كما اكتسبت القبيلة اهتماماً غير مسبوق بغياب هذه الأحزاب وباتت الأكثر استثمارا في الانتخابات. وقد أثارت سياسة الحزب الحاكم هذه وخياراته لمرشحيه، اضطراباً كبيراً ودفعت بعض الساسة الموريتانيين من خارج دائرة الحزب الحاكم للعودة إلى تغليب مصالح قبائلهم على التزامهم الحزبي، طالما اختيرت القبائل لتأطير الفعل السياسي. وبتفحص طبيعة الرموز المتداولة في الانتخابات، وفي التواصل بين النخبة السياسية والمواطنين، انتشرت تلك ذات الدلالات الدينية، ومن أبرزها الشجرة والمسجد والسبحة، وبعض رموز الشجاعة لدى العشائر كالخيول.

ووسط هذه التطورات، كان التيار الناصري الموريتاني الأكثر تضرراً، وهو التيار المنتشر في عموم البلاد بفضل أساسين هما التعليم والمؤسسة العسكرية. ومع مقاطعة الحزب الناصري الأساسي «حاتم» للانتخابات، دخلت أربعة أحزاب تسمي نفسها ناصرية هي الأخرى البرلمان الجديد ولكن وفق أسس ومصالح مختلفة. كما يشكل فصيل ناصري خامس، بزعامة قيادي تاريخي للتيار: الكوري ولد أحميدتي، أحد أهم مكونات الحزب الموريتاني الحاكم.

ويعود ضعف التمثيل الوطني للأحزاب السياسية إلى استثمارها في الخصوصيات والمحليات على حساب البعد الوطني. فبلغت أعلى نسبة حققها حزب سياسي 23.88 في المائة في لائحة النساء، و21.34 في المائة في اللائحة الوطنية. ولولا قاعدة النسبية المنتهجة في الانتخابات الموريتانية، لما حسم أي مقعد في الشوط الأول من الانتخابات التي شارك فيها سبعة وستون حزباً سياسياً.

ويذهب زعيم المعارضة الموريتانية المنتهية ولايته أحمد ولد داداه، إلى أن ما وصفه بـ«النظام الأحادي» سيّر العملية الانتخابية بشكل مخالف للقانون مما أدى إلى «عودة موريتانيا للقبلية والجهوية والمحسوبية وسوء التسيير والرشوة» مضيفاً أن البلد يتجه للهاوية.

المختار ولد محمد / السفير العربي

يبدو أن تعقيدات عملية الاقتراع بصناديقها الأربعة وبطاقات تصويتها التي حشرت أسماء وشعارات نحو سبعين حزبا مشاركا زادت حظوظ البطاقة اللاغية ورفعت من حجم ناخبيها إلى حد لم يكن متوقعا.جماهيرية البطاقة اللاغية كانت كبيرة في الأرياف والقرى وهو ما كان معقولا ومتوقعا نظرا لانتشار الأمية وضعف تعبئة الأحزاب في تلك النجوع البعيدة المترامية الأطراف.غير أن اللافت أن تحجز البطاقة اللاغية المركز الثاني في عاصمة البلاد بحصولها على 16718صوت في اللائحة الجهوية للنيابيات مباشرة بعد حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم ، ومتقدمة على حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية بنحو ألف من أصوات المقترعين.وبهذه النتيجة تكون البطاقة اللاغية قد استحقت بجدارة حجز ثلاثة مقاعد في البرلمان القادم عن دائرة نواكشوط وحدها.ولا يستبعد عدد من المتابعين أن يكون رئيس البلاد من بين ناخبي البطاقة اللاغية بعدما أربكه تعقيد العملية ودفعه إلى الاستعانة برئيس اللجنة المستقلة للانتخابات.البطاقة اللاغية مرشحة – إذن- ليرتفع عدد ممثليها في البرلمان وفي المجالس البلدية، و ليكون حزب الطاقة اللاغية ثاني أكبر الأحزاب من حيث التمثيل و من حيث حجم كتلته الناخبة.

الصفحة 1 من 3