أشادت أسرة المعتقل السابق بسجن اغوانتنامو أحمد ولد عبد العزيز بالدور الذي قالت إن الدولة الموريتانية بذلتها في سبيل إطلاق سراح ابنها، مشيرة إلى دور وصفته بالخاص لعبه الرئيس محمد ولد عبد العزيز وأكدت أنها تشكر وتثمن هذا الدور.

تحدث وزير الصحة السابق البروفيسور الشيخ المختار ولد حرمه في مقابلة بثت على قناة شنقيط، ضمن برنامج "ضيف وحوار"، الذي يقدمه الزميل عبد المجيد ولد إبراهيم عن علاقته بالملك المغربي الحسن الثاني، وتفاصيل لقاءاته بولد الطايع ومساندته لولد هيداله، وهذا ملخص عن أهم ما قال ولد حرمه منقولا من صفحة مقدم البرنامج:

غادر الرئيس السابق اعلي ولد محمد فال العاصمة نواكشوط أمس متوجها إلي دكار في طريقه إلي العاصمة الافوارية "ابدجان" حيث سيشارك في أعمال لجنة الاتصال والوساطة رفيعة المستوى المكلفة بمراقبة الانتخابات الافوارية والعمل على تهدئة الأجواء التي تكتنفها.

في ضوء ما يحدث الآن من اضطرابات عمالية في أزويرات، ناشئة عن تذمر الشغيلة العاملة في ما يسمى عرفا عمال اليومية (الجرنالية) أو اليد العاملة المؤقتة كما تكيفهم الشركة المقاولة الرئيسية وهي شركة أسنيم أجرى أحمد فال ولد  الشيباني أمين الفدرالية الوطنية لعمال المعادن والأشغال العامة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الوطنية للشغيلة لتسليط على أوضاع العمال وأسباب الأزمة.

أكد الوزير الأول الصحراوي عبد القادر الطالب عمر أن الدولة الصحراوية ستكون عامل استقرار بالإضافة إلى أنها ستثبت مبدأ أساسي هو احترام الحدود التي رسمتها مرحلة ما بعد الاستعمار، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، الشيء الذي يريد المغرب أن ينسفه ويضرب به عرض الحائط، والرجوع إلى الحدود التاريخية التي لا يعلم أحد أين تنتهي.

وكشف معالي الوزير الأول الصحراوي في مقابلة مع جريدة "البيان الصحفي" أن هناك بعض الأحزاب المغربية مثل حزب الاستقلال الذي ينادي بالمغرب الكبير الذي يمتد إلى نهر السنغال وإلى شمال مالي، وغرب الجزائر ويضم أراضي هي اليوم تنتمي للدول أخرى مستقلة وقائمة، ومن هنا ـ يضيف عبد القادر عمرـ نرى أنه إذا نحج التوسع المغربي في إخضاع واحتلال الأراضي الصحراوية فإنه سيمتد إلى دول أخرى، مما يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بينما نرى أن قيام الدولة الصحراوية سيكون تثبيتا لاحترام هذه المبادئ التي قام عليها الاتحاد الإفريقي وقامت عليها الدول، وتضمن السلم والاستقرار في المنطقة.
وفيما يلي نص المقابلة:
البيان الصحفي: الشعب الصحراوي يخلد في هذه الأيام الذكرى الثامنة والثلاثين لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.. كيف تقيمون معالي الوزير الأول، اليوم مكاسب الشعب الصحراوي، خلال هذه الفترة القصيرة من عمر الدولة الصحراوية..
الوزير الأول الصحراوي عبد القادر الطالب عمر: مرور هذه المدة الزمنية يؤكد أن الاحتلال المغربي فشل فشلا ذريعا في كسب قلوب الصحراويين، كما فشل في كسب اعتراف العالم له بالسيادة على الصحراء الغربية، فالصحراء الغربية في نظر القانون الدولي لا زالت إقليما لم يقرر مصيره بعد، وتُدرس حالته سنويا في اللجنة الرابعة وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة. بالإضافة إلى وجود بعثة أممية لتنظيم شؤون الاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وهذا دليل على أنها منطقة نزاع، رغم ما يطلق الاحتلال المغربي من دعايات حول احتلال للصحراء الغربية.
هذا من جهة، من جهة أخرى الشعب الصحراوي استطاع خلال هذه الفترة، أن يبني مؤسسات للدولة الصحراوية وينظم ولاياته، نواحي عسكرية وينشأ سفارات وتمثيليات في الخارج، ويضع سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية، أي يؤسس الهياكل الضرورية للدولة الصحراوية كما استطاع خلال هذه الفترة أن يحرر مناطق توجد الآن تحت رعاية ورقابة وإدارة القوات المسلحة للجبهة الشعبية وللدولة الصحراوية.
وبطبيعة الحال استطاع أن يثبت حقه في تقرير المصير لدى العالم، ويعترف به العديد من دول العالم، والاتحاد الإفريقي وله أصدقاء كثيرون في العالم واستطاع في هذه الفترة أن يبني تجربة سياسية، وإدارية وأن يكوِّن العديد من الأطر والخريجين في الجامعات، وهو اليوم أكثر قوة، وأكثر تجربة مما كان عليه في السنوات الأولى، ويتمتع بتجربة قتالية رفيعة، ويتمتع بتجربة ديبلوماسية، وكذلك بتجربة في ميدان المقاومة السلمية، وهذا أصبح يشكل رصيد قوي لدى الشعب الصحراوي، وبذلك يمكن القول أن هناك شروط لضمان النصر، والمشكل اليوم قائم ويعلم الجميع أنه لا يمكن حله إلا بالاستجابة لمتطلبات حرية الشعب الصحراوي، وهذه هي الحقيقية التي أصبح يلمسها كل أحد.
البيان الصحفي: ما هي الضمانات والتطمينات التي تتخذونها من أجل طمأنه الشعب الصحراوي على جو الاستقرار وطمأنه العالم على أن الدولة الصحراوية ستكون عامل استقرار، وأمن وديمقراطية وعدالة اجتماعية؟
الوزير الأول عبد القادر عمر: بطبيعة الحال كل من يزور مخيمات اللاجئين، أو المناطق المحررة يمكن أن يلمس أن هناك إدارة تقدم خدمات للجميع رغم قساوة الظروف، يلاحظ أن الناس تنعم بالاستقرار والديمقراطية، حيث تنظم هناك انتخابات وهناك هيئات تراقب أداء الأجهزة التنفيذية، وهناك قضاء مستقل رغم الظروف الخاصة والمتميزة التي يمر فيها الشعب الصحراوي.
بطبيعة الحال الجبهة الشعبية تقاوم الإرهاب والجريمة المنظمة التي يحاول النظام المغربي أن يغرقها بشحنات المخدرات التي ينتجها، حيث تلعب الجبهة دورا في مواجهة هذه الظواهر، وتعمل على تحسين علاقاتها مع دول الجوار، ومع عالمنا العربي والإسلامي، والإفريقي ومع كل دول العالم ونحن مستعدين لمد يد التعاون مع الجميع من أجل السلم، وتنمية وتشجيع المثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان والتعايش السلمي بين الشعوب. فالجبهة التي ضحت من أجل الحرية والعدالة لا يمكن أن تقبل بهذا في علاقاتها الدولية، ولا يمكن أن تتناقض مع ذاتها، تطالب بهذه المثل، وتتنكر له في نفس الوقت... هذا غير معقول.
ما نلزم به أنفسها هو ما نطالب به الآخرين، فالدولة الصحراوية ستكون عامل استقرار بالإضافة إلى أنها ستثبت مبدأ أساسي هو احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، الشيء الذي يريد المغرب أن ينسفه ويضرب به عرض الحائط، والرجوع إلى الحدود التاريخية التي لا يعلم أحد أين تنتهي، بل أن هناك بعض الأحزاب المغربية مثل حزب الاستقلال الذي ينادي بالمغرب الكبير الذي يمتد إلى نهر السنغال وإلى شمال مالي، وغرب الجزائر ويضم أراضي هي اليوم تنتمي للدول أخرى مستقلة وقائمة، ومن هنا نرى أنه إذا نحج التوسع المغربي في إخضاع واحتلال الأراضي الصحراوية فإنه سيمتد إلى دول أخرى، مما يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بينما نرى أن قيام الدولة الصحراوية هي ستكون تثبيت لاحترام هذه المبادئ التي قام عليها الاتحاد الإفريقي وقامت عليها الدول، وتضمن السلم والاستقرار في المنطقة.
البيان الصحفي: مخطط التسوية الأممي الذي وقعه طرفا النزاع جبهة البوليساريو والمغرب طال أمده والوضع في منطقة الساحل والصحراء يعرف بعض التوتر الأمني من حين لآخر، ما رسالتكم للشعب الصحراوي الذين ملوا الانتظار وتحديدا للشباب في المدن المحتلة الذين يعانون القمع اليومي من طرف الاحتلال المغربي..؟
الوزير الأول الصحراوي عبد القادرالطالب عمر: صحيح أن هناك أوضاعا صعبة، وأن المواطنين تعبوا من الانتظار، ولكن ما نلاحظه هو أن من يشتكي من الأمم المتحدة ومن الوسيط الأممي في القضية الصحراوي السيد روس، هو النظام المغربي، وليس الطرف الصحراوي رغم أن التباطؤ في الحل وطول فترة الأنتظار، فإن من يريد التملص من وساطة الأمم المتحدة التي يقودها السيد " كريستوفر روس" هو النظام المغربي، كما أن الشعوب عندما تنتفض يمكن أن تهزم أنظمة وجيوش قوية مثلما شاهدنا في العديد من البلدان فالمقامة السلمية التي ينتهجا الشعب الصحراوي تتقدم وأعطت نتائج حيث أن العالم اليوم اكتشف استبداد وقمع النظام المغربي، وأصبح هذا العالم مقتنع بأنه لابد من وضع آلية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، تكون برعاية المينورسو، وهذا انجاز كبير نتمنى أن تتم هذه الخطوة وعندها ستشكل منعرج كبير وانفراج كبير يتجاوز هذا الانسداد القائم اليوم.
البيان الصحفي: عمليا ما هي الآليات التي تعتمدها الحكومة الصحراوية من أجل حماية الصحراويين في المناطق المحتلة، وحماية الثروات من النهب وإلى أي حد يستغل ذلك من إجل إقناع المنتظم الدولي من أجل حل النزاع على أساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة؟
عبد القادر الطالب عمر الوزير الأول الصحراوي: بالطبع نحن نناضل وكذلك الصحراويين في المناطق المحتلة من أجل إيجاد آلية لحقوق الإنسان ومن أجل فك الحصار عن المناطق المحتلة، ويقوم العديد من أصدقاء الشعب الصحراوي لزيارة تلك المناطق كما يقوم العديد من الناشطين الحقوقيين بتقديم شهاداتهم أمام البرلمانات العالمية، والأحزاب ووسائل الإعلام الدولية، وهيئات حقوق الإنسان الدولية وهو عمل أعطى نتائج إلى حد ما مشجعة وإيجابية بالإضافة إلى وجود منظمات لمراقبة الثروات الصحراوية ومنعها من النهب، وهي تنشر معلومات بشكل دوري عن الشركات والبلدان المتورطة في إقامة علاقات تجارية واقتصادية المستعمر المغربي يكون هدفها الاستنزاف غير المشروع للثروات الصحراوية. قصد وقف هذا النهب ولا شك أن هناك العديد من الشركات والبلدان التي انسحبت من المشاريع التي تشكل استنزافا للثروة الصحراوية والمجهودات متواصلة في هذا الاتجاه، وهي جبهات نضال جديدة، جبهة نضال لمقاومة نهب الثروات الصحراوية، وجبهة حقوق الإنسان، بالإضافة إلى العمل على فك الحصار عن أهالينا واستمرار هؤلاء الأهل في النضال لتحقيق هذه الأهداف ولاشك أن الصحراويين اليوم هم أكثر أجماع وأكثر توحد خلف نضالهم من أجل الاستقلال أكثر من أي وقت مضى، وعامل الخوف قد تكسر، ومنذ قيام مخيم "أكديم أزيك" أصبح الجميع يتحلى بالشجاعة والإقدام لإظهار مطالبه وهذه أصبح اليوم حقيقة قائمة معاشة في المناطق الصحراوية المحتلة.
البيان الصحفي: في العديد من تصريحات القيادات الصحراوية ومن بينها أنتم معالي الوزير الأول تتهمون المغرب بدعم الإرهاب، واستهداف المنطقة برمتها.. على ماذا تعتمدون في قول ذلك؟
الوزير الأول عبد القادر الطالب عمر: من المعلوم لدى الجميع أن النظام المغربي أكبر منتج ومصدر للمخدرات، هذا ليس سرا، وهذه ليست دعاية، هذه حقائق قائمة وينشر هذه الوسائل، وكان المغرب في السابق ينشر هذه الوسائل شمالا، وعندما شددت الدول الأوروبية جهود مراقبة هذه العملية أصبح ينشرها جنوبا لتعبر الصحاري متجهة إلى شمال مالي ثم النيجر وليبيا إلى مصر لتنتقل بعد ذلك إلى أوروبا.. هذا ليس سرا وهناك أجهزة الاستخبارات مغربية تنسق لهذا الأمر مع عصابات التهريب وبعض المنظمات الإرهابية، كمنظمة التوحيد والجهاد التي تقدم نفسها كمنظمة جهادية، وهي قائمة على تنظيم إرهابي أساسه تهريب المخدرات وذات علاقة وثيقة مع الاستخبارات المغربية، هذه المنظمة هي التي قامت باختطاف رعايا من داخل المخيمات الصحراوية، إذن هذه أدلة قائمة ملموسة قام بها النظام المغربي، وذلك بقصد تخويف المتعاونين من زيارة المخيمات الصحراوية، لقطع المساعدات الإنسانية لتجويع سكان المخيمات الصحراوية وفرض عليهم القبول بالأمر الواقع، وبطبيعة الحال إلصاق بهم تهمة الإرهاب، بينما النظام المغربي يقوم بإرسال بعض الشباب الصحراويين من المناطق المحتلة ليلتحق بتلك الجماعات ويقدمون أنفسهم أنهم صحراويون من مخيمات لبوليساريو وكل هذا سياسة منتهجة من طرف النظام المغربي لتوريط وتشويه كفاحكم ولكن العالم يعتبر أن هذه حيلة لن تنطلي عليه وفهم جيدا وبالتالي انقلب السحر على الساحر.
البيان الصحفي: شكرا معالي الوزير الأول الصحراوي.. كيف ترون علاقاتكم مع جارتكم الشقيقة موريتانيا.. وكيف تعولون على رئاسة موريتانيا للاتحاد الأفريقي خاصة أن الاتحاد الأفريقي يعتبر شريك فاعل في النضال من أجل تقرير مصير الشعب الصحراوي..؟
الوزير الأول الصحراوي: بطبيعة الحال علاقتنا بالدول والشعب الموريتاني هي علاقات حميمية، وعلاقات أشقاء، وهذا لا يعود فقط إلى العلاقات السياسية مع السلطة القائمة ولكن أيضا نظرا للعلاقات الأسرية القائمة بين الشعبين الشقيقين، والعلاقات الثقافية بينهما، ونحن في الأصل ويمكن أن نقولها بصراحة نحن شعب واحد لكن المخططات الاستعمارية هي التي فرقتنا، ولا شك أنه في المستقبل لابد أن هذه الحقيقة تعود لتشكل من جديد لأننا نحن كلنا سكان هذه الصحاري، وكنا نقوم بالترحال من الشمال إلى الجنوب، ونحن في اتصال دائم بعضنا بالبعض الآخر، ولذلك نحن لدينا نفس التاريخ ونفس الثقافة، ونفس الروابط الاجتماعية هذه حقيقة مشهود بها، وبالتالي هذا أساس قوي لإقامة تعاون، وتحالف حتى سياسي واستراتيجي بين الشعبين الصحراوي والموريتاني، والآن الرئيس محمد ولد عبد العزيز، هو رئيس دوري للاتحاد الإفريقي، ومعلوم أننا نحن عضو في هذا الاتحاد، والنظام المغربي خارج هذا الاتحاد لأنه خرق مبادئه والاتحاد الإفريقي أعلن في كثير من قممه واجتماعاته عن دعمه لاستقلال الجمهورية العربية الصحراوية وحق شعبها في تقرير مصيره، وتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، ونحن واثقون من أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي سيدافع عن قرارات هذه الهيئة القارية التي يتشرف الآن برئاستها، ونحن مسرورين بهذه الرئاسة الموريتانية للاتحاد الإفريقي بعد سنوات طويلة من غياب موريتانيا عن رئاسة هذه المنظمة.
البيان الصحفي: هل من كلمة أخيرة تخصون بها البيان الصحفي:
معالي الوزير الأول عبد القادر عمر: والله نحن نشكر البيان الصحفي على ما يقوم بها من جهود رغم المصاعب والضغوط التي يواجهها التي يتلقاها لأن النظام المغربي يحاول أن يستخدم كل وسائل ضغطه البشرية والمادية على كل من يرفع صوته للدفاع عن حق الشعب الصحراوي والنظام المغربي اليوم لديه رهان واحد هو القضية الصحراوية، وهي مقياسه في علاقاته مع جميع بلدان العالم، ونتوقع المصاعب التي يتلقاها الأصدقاء والأخوة الذين يعلنون موقفهم بصوت مرتفع إلى جانب الحق والعدالة، ولكن التضحيات التي تتطلبها مواقف الدفاع عن الحق هي عادة تواجه بشكل آني بصعوبات ولكن في المدى المتوسط والبعيد ستحقق النصر وتحقق النجاح، وسيشهد لها التاريخ أنها وقفت موقفا شجاعا وبطوليا في موقف صعب، وجهرت بصوتها وسيسجل لها التاريخ هذا الموقف في وقته، ونحن واثقون بأن كل المدفعين عن الحق سينتصرون لا محالة مهما كانت الصعاب.
أجرى المقابلة: مولاي إبراهيم

ابراهيم فال ولد أحمد سالم ولد عيدّلها، أحد المشاركين في تنفيذ الانقلاب الفاشل الذي قاده الضابطان محمد ولد ابه ولد عبد القادر (المعروف بـ "كادير") وأحمد سالم ولد سيدي ضد نظام هيداله يوم 16 مارس 1981. ذلك الانقلاب الذي أثار، وما يزال يثير، ضجة كبيرة بخصوص مراميه وأسباب فشله إلخ..

وقد أجرت معه الزميلة يومية "الأمل الجديد" حوارا حول ملابسات وظروف الإعداد لتلك المحاولة الانقلابية التي أسالت –بعد الدماء- الكثير من الحبر ولا تزال. وقد حصلت "أقلام" من "الأمل الجديد" علي حق النشر الالكتروني للمقابلة.

سؤال: بوصفك أحد المشاركين في انقلاب 16 مارس 1981، هل لك أن تحدثنا عن الكيفية التي تم بها الإعداد للانقلاب، ولماذا فشل؟

ابراهيم فال: رغم أن بعض التفاصيل لم يحن الوقت بعد لنشرها، فإنني سأوجز الجواب في ما يلي: لقد جرى الإعداد لانقلاب 16 مارس 81 في بلدة مغربية تسمى "بن اكرير" توجد على بعد 70 كلم من مراكش. تدربنا فيها عدة أشهر وعلى مختلف الأسلحة تدريبا مهنيا عاليا... وكان برفقـتنا دوما المرحوم المقدم أحمد سالم ولد سيدي. فيما كان يزورنا من حين لآخر مسؤولنا الأول المقدم محمد ولد عبد القادر (كادير). وكانت حركتنا تدعى "حركة الضباط الأحرار". بعد انتهاء تدريباتنا وصلنا السينغال على ثلاث دفعات. ودخلنا موريتانيا في سيارتين: الأولى كان بها المقدم محمد ولد ابه ولد عبد القادر، والملازم أول انيانك سالا، وابراهيم ولد اعلي، واسماعيل ولد محمدو، ويعقوب ولد الفغ العالم. أما الثانية ففيها المقدم احمد سالم ولد سيدي، والملازم محمد ولد دودو سيك، والمتكلم (ابراهيم فال ولد عيدلها) وأحمد ولد انديات، والداه ولد محمد لعبيد.

وصلنا مقاطعة توجنين (بانواكشوط) حوالي الرابعة والنصف ليلة 16 مارس 1981. في الصباح رتبنا أسلحتنا بإتقان وتوجهنا إلى قلب العاصمة حيث وصلت السيارتان إلى الرئاسة. كان على السيارة الأولى أن تتوجه إلى مكتب الوزير الأول (ولد ابنيجاره) لاعتقاله ثم تلتحق بالأخرى في مقر اجتماع اللجنة العسكرية. فوجئنا بأن الوزير الأول لم يكن في مكتبه، فقد هرب، وولد هيداله لم يجتمع باللجنة العسكرية لأنه خرج نواكشوط هربا. وبالتالي عدنا إلى قيادة الأركان، وبقي أربعة منا في مقر الرئاسة (أحمد ولد انديات، ودودو سيك جريحا، وابراهيم ولد اعلي، والداه ولد محمد لعبيد). وتنقلت أنا رفقة المقدم أحمد سالم ولد سيدي إلى قيادة أركان الجيش التي كان قد سبقنا إليها المقدم محمد ولد عبد القادر الذي اهتم بجمع الضباط الموالين واعتقالهم واحدا تلو الآخر. بينما اقتحم المقدم أحمد سالم ولد سيدي (وكنت برفقته) مكتب قائد أركان القوات المسلحة.
فوجدنا معاوية (القائد حينها) في مكتبه، فخاطبه المقدم احمد سالم قائلا: "لقد خنت موريتانيا لأنك تعاونت مع هيداله"، فقال له معاويه: "ماذا يمكنني أن أفعل؟.. لم يمكن ثمة خيار". وكان محمد ولد عبد القادر يتجول في المكاتب والبهو، وكنت أسمعه يأمر الرفاق وهو يقول: "أجمعوا لي حثالة الضباط هذه" (الحديث دار كله تقريبا بالفرنسية).

بعد اعتقالنا لمعاويه في مكتبه توجه المقدم أحمد سالم ولد سيدي رفقة الملازم انيانك سالا إلى الإذاعة، وبقيت أنا وعبد القادر في مكتب معاويه. وكان بين أيدينا عدد من أسرى الضباط (حوالي العشرة من الأسرى من بينهم الرئيس السابق اعلي ولد محمد فال والمرحوم النقيب أيده وملازم يدعى اعلي والضابط كَن وآخرون).. جاءنا النقيب المرحوم ابراهيم ولد مختيـّـر وقال لعبد القادر: "أنا في خدمتك حضرات العقيد". فأمرني عبد القادر (محمد ولد عبد القادر الملقب كادير) أن أرافق ولد مختيّر إلى قيادة الحرس لأقول لهم إن "هيداله لم يعد رئيسا وأنه هرب". وتوجه هو مع معاويه إلى سيارته ينويان الذهاب معا إلى المنطقة العسكرية السادسة.

وهنا تم إطلاق النار علينا جميعا وبشكل كثيف، فمات للتو النقيب ابراهيم ولد جدو (مدير التجهيزات في الجيش) وجرح قائد الأركان معاويه جرحا خفيفا في جناحه. عدنا إلى مكتب قائد القوات، وقال المقدم عبد القادر لقائد الأركان (الرئيس لاحقا معاويه) بصيغة الأمر: "اتصل بالسفير الفرنسي وقل له بأنك محاط بكوماندوز يرأسه المقدم عبد القادر، وأن الأمر يتعلق بانقلاب ناجح، وأن ولد هيداله هرب، وأن عليه أن يطلب من فرنسا عدم التدخل"، فاتصل معاويه عبر الهاتف بالسفير ونقل له كلام المقدم عبد القادر كما هو، فرد عليه السفير بأن "فرنسا ستعطي جوابا إيجابيا بعد ساعة".

هنا بدأت وحدات من الجيش تطلق النار ومسيلات الدموع على مكتب القائد خاصة عن طريق النافذة. بعد دقائق طلب منا عبد القادر أن ننزل في محاولة ثانية للتوجه إلى المنطقة العسكرية السادسة (وكان معاويه ما يزال برفقتنا). وعند نزولنا التقينا مع النقيب اعلي ولد محمد فال (الرئيس لاحقا) الذي قفز نحو المقدم عبد القادر محاولا انتزاع مدفعه منه. فتلافاه المقدم بذكاء وإقدام وهو يقول: "هل تحسب أن ضابطا صغيرا مثلك يمكن أن ينتزع سلاح عقيد في مثل سني؟". وأطلق النار عند قدميه، فتراجع النقيب اعلي ولد محمد فال رافعا يديه، هم بعض الرفاق بإطلاق الرصاص عليه فمنعهم المقدم عبد القادر مكتفيا بالأوامر ودون أن يقدم شروحا.

عدنا مرة أخرى إلى مكتب معاويه وكان ما يزال رافعا يديه في إشارة إلى الاستسلام، فيما كانت وحدات الجيش تطالبنا من بعيد برمي سلاحنا مهددة بقتلنا، لكننا رفضنا، وكان معاويه يقول ناصحا: "إن لم تسلموا أسلحتكم سيقتلوننا جميعا". فدخلنا معهم في اشتباك شديد عن طريق النافذة إلى أن أصبح الدخان كثيفا في المكتب، فانبطح معاويه قرب الباب. وفجأة، وفي معمعان الطلقات النارية والدخان الكثيف، ارتمى معاويه خارج المكتب، فأومأ المقدم عبد القادر وعاد إلينا قائلا: "انتهى الأمر لقد مات"، كانت تلك إستراتيجية لإفزاع بقية الضباط الموالين الموجودين تحت قبضتنا. في ذلك الهرج، وبعد مقاومة شرسة، أطلقت الوحدات الموالية، التي تضاعف عددها، قذيفة كبيرة على المكتب فأشعلته، لنخرج منه فإذا بعناصر الجيش قد انتظموا وأحكموا تمركزهم في كل نواحي قيادة الأركان، فسيطروا علينا واعتقلونا.

إذن فالانقلاب فشل لثلاثة أسباب: الأول، أن معلومات استخباراتية قدمتها الجزائر لحليفها هيداله وشت بنا فألغت اللجنة العسكرية اجتماعها وخرجت العاصمة لتنظيم أوراقها. والثاني، أن عددنا (أقل من العشرة) كان كافيا للقيام بانقلاب مفاجئ، لأن لدينا الجرأة والقدرة، لكنه غير كاف لمواجهة دولة كانت على علم بمجيئنا دون علمنا. والثالث، أن نيتنا في محاولة عدم إراقة الدماء كانت سببا آخر لا يقل أهمية.

سؤال: وماذا عن بقية الكوماندوز الذين توجهوا إلى الإذاعة والرئاسة؟

ابراهيم فال: بالنسبة لبقية الكوماندوز، التي أسندت لها مهمة السيطرة على الإذاعة، فهي فرقة يترأسها المقدم أحمد سالم ولد سيدي رفقة الملازم انيانك سالا.. وكما ذكرت لك فقد شارك المقدم أحمد سالم ولد سيدي في عمليات قيادة الأركان (وهو من احتل بالسرعة والقوة اللازمة مكتب قائد الأركان معاويه واعتقله) قبل أن يتوجه إلى الإذاعة التي ما لبثت أن أحاط بها مئات الجنود من كل الاتجاهات. فكانت مقاومة رفاقنا لتلك الأعداد الكبيرة والمدججة تعني موت عدد هائل من الناس.. فقد ذكر لي المرحوم الملازم انيانك (ونحن معتقلون في اجريده قبل صدور الأحكام) أن "المقدم أحمد سالم ولد سيدي قرر عدم إطلاق النار في وجه عشرات الجنود الذين لم يكن بمقدورنا السيطرة عليهم، ولم تكن مواجهتهم لتؤدي إلا إلى هلاك الكثيرين من أبناء الوطن. فقد ارتأى أحمد سالم، ولحسابات إستراتيجية عسكرية واضحة، أن المعركة التي ستخسر لا محالة يجب تجنبها حقـنا للدماء، خاصة إذا كانت الدماء لمواطنين ومسلمين. مع العلم أن أحمد سالم، رغم شجاعته الخارقة، كان رجلا متدينا إلى أقصى الحدود".

وفي هذا الصدد قال لي ضابط (لا أريد ذكره بالإسم) أنه مدين للمرحوم المقدم أحمد سالم ولد سيدي بروحه؛ فقد شهـّـر الملازم انيانك سلاحه في وجهه ليقتله فنهره أحمد سالم قائلا: "إذا كان الوصول إلى الهدف مستحيلا فإن قتل الأنفس غباء، يا حضرة الملازم".

سؤال: وماذا بعد اعتقالكم؟ وما هي تفاصيل الأحكام التي صدرت في حقكم؟

ابراهيم فال: عند اعتقالنا حملوني مع المقدم عبد القادر إلى المستشفى الوطني زاعمين أننا ابتلعنا أقراصا من السم. عند مجيئنا للمستشفى حاول عريف لقبه "موستيك" إطلاق النار علينا فمنعه الدكتور الفرنسي محتجا بأن القوانين الصحية تمنع ذلك. وكان في نفس المستشفى الضابط محمد ولد دودو سيك، الجريح الذي أخذته السلطة من فوق سرير المرض لتـُـجهز عليه فتقتله بشكل غير إنساني وغير قانوني وبشكل تمنعه حتى المروءات (فالإجهاز على الجريح الطريح عمل فظيع ولا أخلاقي)، المهم أنهم حملونا إلى المنطقة العسكرية السادسة حوالي السابعة مساء، وكان يزورنا ولد لكحل الذي كان كثيرا ما يسألنا إن كانت معنا قوات مغربية.

بعدها التحق بنا المقدم أحمد سالم والملازم انيانك اللذين كانا معتقلين عند الحرس مع بقية الرفاق، ثم حملونا جميعا إلى الدرك بغرض التحقيق.
ومن هناك (مساء 24 مارس) توجهوا بنا إلى اجريده بعد أن فكروا في عقد محاكمة لنا بدار الشباب، لكن "أسبابا أمنية" - حسب زعمهم- حالت دون ذلك، وكانوا قد وضعوا أقنعة على أعيننا على طول الطريق. وفي الصباح انعقدت المحاكمة التي يرأسها المقدم الشيخ ولد بيده وبعضوية الرائد صو صمبا والنقيب محمد ولد ابيليل والملازم أحمد ولد امبارك وآخرين. وكان ضابط الدرك المرحوم أحمد الطلبه ولد ابراهيم ولد السيد، العضو في المحكمة الخاصة، قد رفض بتاتا حضور الجلسات. محتجا بأن الأمر يتعلق بأفراد من أهله وأصدقائه وأنه غير مستعد لمحاكمتهم.

وكان دفاعنا يتشكل من المحامي يعقوب جالو، والمحامي حمدي ولد محجوب (وزير الاتصال الحالي) والمحامي أحمد ولد يوسف ولد الشيخ سيديا، والمحامي ابراهيم ولد داداه، والمحامي المرحوم محمد شين ولد محمادو، والمحامي المرحوم جاكانا وغيرهم.. وكان المقدمان عبد القادر (كادير) وأحمد سالم ولد سيدي من أكبر محامينا بحيث قالا مرارا بأنه إن كان هناك مسؤولون حقيقيون عما حصل فإنهما هما، وأن "هؤلاء الشباب ليسوا مسؤولين عما وقع".

صدرت الأحكام فكانت تفاصيلها: الإعدام في حق المقدم محمد آبه ولد عبد القادر والمقدم أحمد سالم ولد سيدي والملازم انيانك سالا ودودو سيك (الذي قتل دون حضور المحاكمة وهو جريح). أما بقية المجموعة فحكم عليها بالسجن المؤبد مع الأعمال الشاقة.

سؤال: كيف استقبل رفاقك النطق بهذه الأحكام؟

ابراهيم فال: قال المقدم عبد القادر موجها كلامه لنا: "لقد تركناكم مع أطفالنا ويجب أن تجابهوا حتى النهاية وحتى يتبين الحق". وقال المقدم أحمد سالم: "لقد فعلت ما فعلت من أجل موريتانيا وأنا غير نادم عليه، فأنا في سبيل وطني مقتنع بأي مصير ينتظرنني". وأغرب ما يتعلق بالمقدم أحمد سالم ولد سيدي هو أنه كان مستغرقا في نوم عميق ليلة تنفيذ حكم الإعدام.. فكنا نتعجب من شخص ينتظر الإعدام في ساعات قلائل ويغط في نوم عميق. والحقيقة أنني لم أر في حياتي أشجع من هذين الرجلين: عبد القادر (كادير) وأحمد سالم ولد سيدي اللذين غادرا هذه الدنيا وهما يحملان معهما الكثير الكثير من شيـّـم الأبطال وقيـّـم الأفاضل وأخلاق النبلاء. وبالنسبة لبقية المجموعة - سواء من أعدموا أو من سجنوا- فالأمر كانوا ينتظرونه لأنهم يعرفون بأن أي انقلاب معرض للفشل، وأنه إن فشل فذلك قد يعني الموت؛ وبالتالي استقبلوا النبأ ببرودة أعصاب وقبول تام بالقضاء.

سؤال: من كنتم ستختارون رئيسا لموريتانيا؟

ابراهيم فال: مع برنامجها الواسع والطموح، فقد اختارت حركتنا العقيد فياه ولد معيوف رئيسا مؤقتا لموريتانيا في انتظار إقامة نظام مدني تعددي وديمقراطي.

سؤال: لقد رأيتم لا محالة برنامج "البيان رقم1" الذي أعدته قناة الجزيرة وصرح فيه ولد هيداله أنه كان بإمكانه أن يعفو عنكم لكنه رفض ذلك، فما ترون؟

ابراهيم فال: الحقيقة أننا كمجموعة لم نطلب أبدا من ولد هيداله أن يعفو عنا، والجهة الوحيدة التي طلبت العفو هي هيئة الدفاع. وهذا جزء من عملها في أي مكان وتحت أي ظرف وليس خاصا بنا. أما نحن فكنا نأنـف بأنفسنا عن طلب العفو من ولد هيداله. ومن المعروف أن عقيلة المرحوم أحمد سالم ولد سيدي (السيدة مانا بنت احبيب) اقترح عليها البعض الاتصال بشيخ كبير له سلطة روحية على هيداله ليتوسط لديه بغية إصدار عفو عن المحكوم عليهم، لكن السيدة رفضت قائلة بأن "هيداله لا يحيي ولا يميت وأن الأمر بيد الله". ومضيفة في قولة شهيرة أن "التاريخ لن يشهد بأن أحدا شـُـفــّــع في والد أطفالها".

أما بالنسبة للبرنامج فقد شهد الجميع بأنه ليس متوازنا ولا مهنيا ولا موضوعيا إذ أخذ وجهة نظر طرف واحد وهو ما تمنعه أخلاقيات مهنة الصحافة خاصة إن تعلق الأمر بقناة محترمة كالجزيرة.

سؤال: بعض الأطراف السياسية اتهمتكم بالعمالة للمغرب؟

ابراهيم فال: لم يكن اختيارنا للمغرب اعتباطا فهو بلد صديق لموريتانيا تربطهما علاقات أخوية متشعبة. صحيح انه أشيع بعد فشل الانقلاب، وعن طريق الاستخبارات والإعلام الرسمي، أن حركة 16 مارس كانت عبارة عن عملاء يعملون على ضم موريتانيا للمغرب، والحقيقة التي تثبتها الشواهد هي أن علاقاتنا بالمغرب لم تكن تتسم بأي نوع من العمالة، وإنما كانت مجرد علاقات إستراتيجية يمليها الظرف، وهي لا تمثل عارا بالنسبة لنا بل تشرفنا.

ومعروف جدا أن الضباط الموريتانيين (ومنذ 1978) كانوا منقسمين إلى مجموعات؛ فتجد من بينهم مجموعة حليفة للجزائر (كما هو حال ولد هيداله وآخرين) ومجموعة حليفة لليبيا، ومجموعة حليفة للعراق، ومجموعة حليفة للمغرب، وحتى مجموعة حليفة لبوركينافاسو (أو تدربت فيها لسبب ما). لماذا لا تـُـتهم أي من هذه المجموعات بالعمالة للدولة التي تحالفها؟ ولماذا يكون حلفاء المغرب هم وحدهم الخونة العملاء؟.. مهما يكن فإن عقلية الشعوب المتخلفة تبدو هكذا: كل انقلاب فاشل فأصحابه عملاء خونة وسافلون، وكل انقلاب ناجح فأصحابه مصلحون مخلصون وعظماء. فنحن كان بإمكاننا أن نكون مصلحين مخلصين وعظماء، لكن انقلابنا فشل فأصبحنا عملاء خونة وسافلين.

في إطار المساعي الرامية الى تحريك ساحة راكدة حد الموت السريري قررنا نحن في “التبصير” القيام بسلسلة حوارات و مقابلات مع شخصيات ثقافية و فكرية وازنة في المشهد الموريتاني و العربي.

ضيفنا حمل الحرف المثور نضالا وقضية وعرفته المنافي وعرفها في رحلته الطويلة لمناهضة التناقضات الاجتماعية التي يضج بها المجتمع الموريتاني..

كتب دواوين شعرية عديدة و ألف العديد من الكتب النقدية, التقاه “التبصير” في إطار مسعاه لإنعاش الساحة الثقافية والأدبية الوطنية..ضيفنا هو الشاعر والناقد الدكتور محمد ولد عبدي (الجزء الأول).

التبصير: يلاحظ المتتبع للدكتور محمد ولد عبدي ندرة حضوره في المشهد الأدبي الموريتاني خاصة في وسائل الإعلام خلال فترة التسعينات فما هو مرد ذلك؟

أولا أبارك لكم هذا الموقع الذي نتمناه ” تبصيرا ” ثقافيا فارقا يزيل الغشاوة والعمى الثقافي والفكري عن بصر وبصيرة هذا المجتمع المقهور والمسحور، المقهور بفعل التاريخ والجغرافيا وما خلقا من ندرة تحكمت في مصائر القوم تدبيرا وتعميرا، والمسحور بفعل ثقافة نسقية تلقينية تَتَغيا التبريرَ في التفكير والتعبير، مما يحتاج بالفعل إلى تبصير يكشف تلك الغشاوات ويُعيد للناس وعيَهم في لحظة فارقة من التاريخ الوطني.

أما بخصوص سؤالك عن غيابي الاعلامي في عقد التسعينيات، فأنت ربما تعرف سياقات تلك المرحلة واكراهاتها وطنيا: فلقد اتسمت بتصنيم السلطة والتهافت عليها، وتشيئ القيم وامتهانها، وسقوطِ القناعات الايديولوجية وتكشفِ أقنعةِ ذويها، مما دفعني مُجبرا إلى الهجرة، اتقاءً للسُّقوط في وحل ذلك الواقع النَّكِد المتدني، الذي تمرغ فيه الساسةُ والمثقفون دون حياء، وتهافت فيه الشعراءُ والكتابُ على القصر الرمادي متأبطين المجازَ عساهم به يقتاتون، دونما شعور منهم جميعا بأنهم همْ من خلق من السلطة طاغوتا وهم من رفعوا أعلامَ قبائلهم وجهاتِهم وفئاتِهم عاليةً على سارية العلم الوطني، فأجهزوا على ما تَبقَى من وطنٍ هشاشتُه في المنشئ بادية، فهل لي وقد حملتُ هذا الوعيَ ألا أتحملَ تبعات تبنيه؟ ذاك ما كان،

فاغتربتُ مخافةَ أن يذكر التاريخُ لكم وللذين سيولدون أني اشتركتُ في صناعة طاغية أو ايقاظ نعرة منتنة، أو تبدلتُ عن الانتماء الجمعي ولاءً ضيقا لا وطناً يُبقى ولا حلمًا يُحققُ، هكذا آثرتُ الصمتَ الاعلاميَ على الأقل محليا في التسعينيات من القرن الماضي، لأن من يتكلم في تلك الحقبة لا بدّ أن يَتحدثَ لغةَ التهليل والتبجيل، ولسانَ “الولاء” و”البراء”، وتلك شِنشنةٌ لا إخالني خُلقتُ لها، ورغم ذلك ففي التسعينيات وبفضل المأمن في الحياة والأمن في التفكير اللذين توفرا لي في الامارات العربية المتحدة مشكورة استعطت أن أُصدر مجموعةَ كتب ناطقة بالذي أتغياهُ شعرا وفكرا، فكان ديوان ” الأرض السائبة” و كتاب ” ما بعد المليون شاعر” وكتاب ” تفكيكات” و” كتاب ” فتنة الأثر” وغير ذلك مما صدر لاحقا في العشرية الأولى من هذا القرن.

التبصير: أنتم أحد المهتمين بالتناقضات التي يعيشها المجتمع و تحاربونها بالحرف والفكر منذ عقود فهل تعتقدون أن هذه التناقضات ما زالت “تسافر في الشخوص” كما قلتم في أحد آخر نصوصكم “شقاق الطين”؟

إن ما تسمونه هنا بالتناقضات المجتمعية وأسميه بالأمراض النسقية، هو ذاكرةٌ موشومةٌ أسسها الزمنُ الثقافي في إدارته التاريخية للمجتمع عبر طلبه لِمَزِيَتَيْ المعاش والتعايش واكراهات كل منهما، مما بالضرورة يُولِّد صراعا على امتلاكهما، تتمركز بموجبه سلطةٌ تحتكرُ إدارتهما، وتولدُ بمقتضاه هوامشُ تتفاوت في الإقصاءِ حسب حظها من تلك السلطة وجودا أو فقدا، وهذا قانونٌ عام يسري على كل المجتمعات، ويتفاوتُ حضورُه وهيمنتُه فيها بحسب كسبها من المدنية وحظها من بناء الدولة، ذلك أنه كلما استغرقت مجتمعاتٌ ما في البداوة شحَّ عيشُها واحتدم الصراع على استملاك الموجود منه وبالتالي صعُب تعايشها بل واستحالَ، لأن لكل منها سرديتَهُ التاريخية واسطورتَه التأسيسية وفضاءَه الرمزي وحيزَه التداوليَ وهي أمور من منظوره تعطيه شرعية الاستحواذ والتملك والاحتكار ، وبالتالي تُكسبه سلطةً يحسبها لن تدوم له وتستقيم إلا بنفي الآخر وتهميشه وشَيْطَنَته، مُستدعيا عند الضرورة مواردَ ذاكرته الموشومة، أما في المجتمعات المدنية المنتظمة داخل الدولة الحديثة فإن المعاشَ والتعايشَ محكومان بقانون عام يحتكم إليه الجميعُ ويتساوى أمامه الجميعُ، لا يشعر فيه الانسانُ بأي تناقضٍ بين ما هو جديرٌ به وبين ماهو عليه في الواقع المعيش، على عكس المجتمعات المتخلفة التي تتحدد فيها مصائرُ الأفراد قبل الولادة، لا حسب الكسب والكفاءة والعطاء، وذلك مكمن الأمراض النسقية التي أشرتَ إليها في سؤالك، وهو ما عليه الحالُ في وطننا العزيز موريتانيا، وهو كذلك ما علينا جميعا أن نقاومَ، ونعمل على تجاوزه، لأننا إن لم نبادر وندرأَ هذا الاختلالَ الصَّارخَ وتلك الامراض النسقيةَ التي ” ما زالت تسافر في الشخوص” عبر المسلكيات الخاطئة، والرُّؤية العمياء والتجاهلِ الغَبي لما يجري بوتيرة متسارعة في واقعنا اليومي المأزوم، فإننا نوشك أن نرمي بمصيرنا المشترك في بحرٍ من العنف الأعمى – لا قدر الله -، ليس لنا به من قبلُ قبيلٌ، وساعتها كما في قصيدة ” شقاق الطين” التي أشرت إليها:

لا جبلٌ يقيِ أحداً

ولا سُفُنٌ ولا مرسىَ

فهل غدُنا سنسلمُهُ لكفِّ الريح؟

سؤالٌ على كل منتمٍ إلى تلك الأرض وذاك المجتمع أيٍ كان تموقعُه أو تحيزُه أن يعمل على درء إقراره أوتقريره، عبر رفض كل ما من شأنه أن يوصلنا إلى الهاوية، ولن يكون ذلك الا بمكاشفة الذاتِ وفضحِ حيَّل الأنساق ومكرها الفائق وقدرتها على المخاتلة والتخفي وتغيير المواقع، وأحسبُ أن لكل منا امكاناتِه الكامنةَ في بناء غدٍ يسع احلامنا جميعا وتأسيسِ وطنٍ يتسع لنا جميعا، فكلنا، مظلومٌ وظالمٌ عيالُ الله، وكلنا في ذلك المنتبذ تلاحقنا إكراهاتُ التاريخ وجراح الجغرافيا.

التبصير: المنفى أحد المفردات التي لا يمكن ذكر الشاعر الدكتور محمد ولد عبدي إلا و قفزت إلى الذهن, لماذا هذا الاغتراب وهل أفادتكم الغربة؟

المنفى هو وجودٌ عتبيٌ ناقصٌ، يتمزق صاحبُه بين فضاءين، وطنِ الولادةِ الذي لفظه ووطنِ الإقامة الذي لم يتملكه، ورغم ذلك ففيه من كليهما وجودٌ، وله في كل منهما قدمُ صِدقٍ، أنه يقف على العتبة بينهما في منطقة مأزومة، ما عاد يتملك الأول الذي ظلّ في تدنيه ينحدر قِيَمًا وأحلاما، وعيشا وتعاشيا، ولا هو أمتلك الثاني، وجودا غير منقوص، وإن احتضنه كأحسن وِفادَةٍ ولكن إلى حين، هكذا المنفى وقوف على عتبة بين وجودين، ينفثان في الشاعر روحَ الحنين إلى وطن مُتخيل يجمع مشتركات الوجودين، و يقاربهما في نصوص تفضح سرَّ الهوية وكينونتَها، إذ ليست الهويةُ وجودا مُعطى كما رّوجَ لها المبلسون أصحاب الايديولوجيات الصماء، وظنوها قدرا تشكَّل قبلَ الولادة، أو هي جوهرةٌ مكنونةٌ في نقطة ما من التاريخ ضاعت، وعلينا استعادتها، معتمدين قياسَ الشاهد على الغائب، وإنما هي وجودٌ يتشكل باستمرار، ويُكتسب باستمرار ويُراجع باستمرار ويُنتقد باستمرار، هكذا تتجدد الحياة، وهكذا يعمل المخلصون للأنسان من أجل ألا تنغلق الحدودُ وتتعطل اللغة بينه وأخيه الانسان.

ذاك عزيزي هو فهمي المتواضع للمنفى ورؤيتي الحؤول للهوية، أما لماذا المنفى فهو سؤالٌ يحرك الكثير من المواجع والعديد من المواجد، فالغربةُ، أيها الشاعر الجميل، ليست بالضرورة مرهونة بالمَهَاجِر، إنما أصعبها وأعمقها وأعقدها ما كان في الوطن ذاته، وهو معنى أشار إليه من قبلُ شيخُنا أبو حيان التوحيدي قدس الله سره، وهو ذاتُه ما كنت عشتُه أنا بين ظهراني ذلك الوطن المقهور والمهدور، لذا اخترت “مجبرا” أن أهاجر، مخافةَ سقوط الضّمير، والغدر بالشاعر داخلي، وخيانة من تشبثوا بي حلما يُشام، وأنا في ذلك على سنة خير البرية حين سنّ الهجرةَ، وعلى درب صاحبنا الشنفرَى حين أوصانا مَعشرَ الشعراء أن ” في الأرض منأى للكريم عن الأذى”.

أما هل افادتني الغربة، فهو أمر بَدَهيٌ بلا شك، نعم أفادتي على صُعُد شتى، أفادتني بأن دَرأَتْ عني السقوطَ في وحل الأحكام المتلاعنة في وطني المسلوب، ولم أركن إلي أي منها رغبا أو رهبا، وأفادتني بأن اطعمتُ أبنائي حلالاً، لا شِيَةَ فيه من حقٍ عام أو خاص، مَردَ “المستأمنون” في وطني على استحلاله وهو جهنمُ ذاتُها، إذ كفَى بالمقهورين هناك يَتامىَ، وأفادتني الغربة ثالثا بأن فتحت لي عوالمَ انسانية عديدة، أدركتُ من خلالها أن الانسانَ خَيِّرٌ بطبعه، إذا اعترفتَ بوجوده ولم تنفه، وأن إدارةَ الهويات المتعددة أمرٌ ليس بالمستحيل على الاطلاق، وكفى التجربة الوحدوية المتميزة في الامارات العربية المتحدة دليلا على ذلك، حيث أزيد من مأئتي جنسية وافدة غير متجانسة تعايشت كلها في أمن وأمان، وأُديرت بحكمة وحنكة، رسم خطوطها العريضة المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وأخيرا استفدتُ من الغربة أني راكمت تجاربَ ونصوصا ومعارفَ ما كنت لأحصل عليها لو لم أهاجر وتتسع رُؤايَ وتنفتح على جهات العالم المختلفة. الجزء الثاني: الشاعر و الناقد د.محمد ولد عبدي: النقد في موريتانيا قائم على المجاملة والتحيز لغير الإبداع!

في الجزء الثاني من المقابلة التي أجريناها مع الشاعر و الناقد الموريتاني و عضو اللجنة العليا لبرنامج أمير الشعراء د.محمد ولد عبدي وصف النقد الموريتاني بأنه قائم على المجاملة و التحيز لغير الإبداع كما تحدث غن غربة يعيشها الشعر الموريتاني و أشياء أخرى في هذا الجزء الثاني من هذا الحوار الصريح و الجريء.

التبصير: النقد الموريتاني متهم بالمجاملة والانتماء لغير الإبداع والخلق لذا لم يستطع حتى الآن تقديم أية موهبة للجمهور.. و أنت الناقد هل توافق على هذه المقولة؟

لا بد في البداية من تحرير المفاهيم، فالمفاهيم كما هو معلوم معالمُ، إن اتضحت تجلَّى المعنى واستقامَ، وإن غمضت تعاظلتْ الدلالاتُ واستغلق الفهم، لذا فوصفك النقدَ بالموريتاني، قد لا أوافقك عليه، ذلك أن النقد علمٌ، له حدُّه وموضوعُه وفرضياتُه وآلياتُه، وهي خصائص وسمات تُحرره من التخصيص الجغرافي، حالُه في ذلك حال العلوم البحتة، مع الفارق في الدرجة، فهل يمكن الحديث مثلا عن فيزياء امريكية أو كيمياء بريطانية أو رياضيات فرنسية وهلم جره؟ لكننا يمكن أن نغير الصيغة ونتحدث مثلا عن هذه العلوم في تلك البلاد، فنقول الفيزياء في أمريكا أو الكيمياء في ابريطانيا وهلم جره، وعليه فإننا لا ينبغي أن نتحدث عن ” نقد موريتاني” وإنما عن “النقد في موريتانيا”، لأن العلم لا ينتمي، على عكس الفن الذي ينصبغ بخصوصياته السياقية، فيمكن مثلا أن نتحدث عن ” الشعر الموريتاني” بوصفه شعرا تراشح مع سياقاته البيئية والثقافية والاجتماعية وتبادل معها التأثير والتأثر، وهو أمر قاربناه في كتاب ” ما بعد المليون شاعر ” ويمكن لمن يروم التفصيل أن يعود إلى ذلك الكتاب.

أما حكمك على هذا النقد بأنه قائم على المجاملة والتحيز لغير الإبداع، فهو أمرٌ أوافقك عليه، وإن من منطلق أشملَ يرتد في نظري إلى البنية العميقة لعقل انسان تلك اليابسة وعلاقاته بآلية المجاز الذي يقوم عليه الشعر، وهو عقل بطبيعة الحال جزء لا يتجزأ من العقل العربي المُنبني على بنية البيان، كما أوضح ذلك المرحوم محمد عابد الجابري، ومعلوم أن البيان قائم على المجاز والمجاز يتعرف بكونه ضد الحقيقة، وعليه فقد تسرّبَ كلُّ ذلك إلى البنية الذهنية والمنظومة الاخلاقية والأنساق الاجتماعية، فأضحت كلها قائمة على المجاز، وهو حكم يتفاوت بطبيعة الحال من قطر عربي إلى آخر، حسب حظه من المدنية القائمة على قراءة الواقع برؤية حسية ملموسة، تتشيَّدُ في االأرض وليس في الخطاب اللغوي، كما حال المجتمع البدوي الذي لا يؤمن بالسببية ويحكمُ الانفصالُ رؤيتَه للعالم، وبهذا أبرر احتفاءَنا في موريتانيا المبالغ فيه بالشعر. ذلك أن أصدقَ الشعر – كما هو مقرر في النقد- أكذبُه، وعليه فقد تباهينا بأننا ” بلد المليون شاعر” دون أن ندرك خطورة ما يتخفى خلفَ هذا الحكم، لهذا فلا غرابةَ أن يكون الخطابُ المشيّدُ على ضفاف الشعر عندنا يحكمُه النسقُ نفسُه المتخفي خلف الشعر، لأن النقد ما هو إلا خطابٌ على خطاب، وقسْ على مجازيتِه ومزاجيته و”كذبه الصادق” غيرَه من الخطابات بل والمسلكيات السياسية والاجتماعية والدِّينية، ولا تحسبنَّ ظاهرتيْ “التصفيق” و”اللحلحة” تؤولان بغير هذا القانون الثقافي، فهناك اجماعٌ ضمنيٌ بيننا على تبادل الكذب والنفاق الاجتماعي والسياسي والثقافي والدِّيني، وهو حكمٌ أدرك ما فيه من قسوة ولكنه الواقع المتجرد من سحر “المجاز”، وما لم نمارس النقد على ذواتنا وأنساقنا المضمرة فإننا سنظل نرسف في عمىَ ثقافي مقيت.

التبصير: الشعر الموريتاني قبل عقود كان يعيش غربة في وطنه ويهمل واقعه المحيط به بينما يصف واقعا آخر أقل التصاقا به هذا ما يقوله الكثير من الشباب ما رأيكم؟

إن هذا الحكم النقدي صائب إلى حدٍ كبير، وهو أمرٌ استشعرتُه شخصيا منذ الارهاصات الأولى لتجربتي الشعرية وعملت على تجاوزه كما سأوضح لاحقا، كما عملت على تأويله نقديا، فإذا به يُخفي خلفَه نسقا ثقافيا نشأ مع ميلاد الدولة الوطنية تمثل في السَّعيِ إلى إثبات هوية مهددة من النخوم، ومشكك فيها من الأقربين، فعمل الشعراءُ والمثقفون منذ ذلك التاريخ على اثبات التماثل مع ما أسميتُه بـ”الشاهد الأمثل” في المشرق العربي، فعاش الشاعرُ رؤيةً ولغةً وتجربةً في تلك البيئة منسلخا من كينونته الزمانية والمكانية، وخصوصيته التاريخية والاجتماعية، وظل المثقفُ ينافح من أجل إثبات ذلك التماثل الذي يرى أنه لا يقتصر على المكونات البشرية وحسب وانما يتجاوزه إلى المكونات البيئية، مما جعل تلك التجربة تفرض نفسَها على الشاعر الموريتاني القديم والحديث وتقترحُ عليه رموزها وأساليبها في التفكير والتعبير، غير أن هذه الخصيصة مع تجاوز عقدة الانتماء وتراكم تجارب شعرية وطنية وازنة بدأت تختفي شيئا فشيئا، خصوصا مع تزايد إكراهات الواقع المحلي وميلاد ثقافة جديدة هاجسة من مختلف التحولات الاقليمية والدولية.

التبصير: الجسر الذي سيوصلنا إلى العالمية ينطلق حتما من المحلية, هل يمكن للأدب الموريتاني أن يصل إلى العالم العربي والعالم بمفردات واقعه المحلي و خصوصيته الثقافية كونه همزة وصل بين إفريقيا والعالم العربي؟

سؤالك هذا يحمل ضمنا إجابته، نعم إن الوصول إلى العالمية يمر بلا شك عبر جسر المحلية، وأعني هنا بالمحلية تشرُّب الأديبِ روحَ مجتمعه والاستغراقَ في واقعه حدّ ملامسة مُشترك الذّاتِ الانسانية فيه، فالقيم والمثل والمفاهيم مشتركاتٌ انسانية، لكنها ترسو عميقا في الرُّوح، وتحتاج إلى حس مرهف شفيف قادر على اجتراحها بصدق وعمق واحتراف، أفليست مفاهيمُ كالحب والكراهية والحرية والقهر والحرب والسلام والعدالة والظلم مشتركات انسانية عامة بأي لغة عُبِّر عنها، سيصلك معناها كما قاربه فنانٌ أو شاعرٌ أو روائي؟ إن محدوديةَ انتشار لغة ما أو الاستغراق في واقع محلي معين، لم يكن يوما عائقا أمام الانتشار العالمي، ولنا في الحاصلين على جوائز نوبل في مختلف اللغات دليل قاطع، أولم يستغرق غابرييل غارثيا ماركيث في الواقع الكولومبي المحلي، عبر قرية خيالية صغيرة تدعى “ماكوندو” في روايته ” مائة سنة من العزلة” ، ورغم ذلك حصل من خلالها على جائزة نوبل للآداب وترجمت إلى أغلب لغات العالم؟ إن الأدب الموريتاني قادر على الانتشار عربيا وعالميا إذا استطاع أن يتشرب روح واقعه ومجتمعه ويستثمر خصوصياته السياقية المتعددة التي تعتبر مصدر ثراء لا مصدر تخندق كما يحترف ذلك المتشربون بالكراهيات الصَّفيقة، المقتاتون على وهم ذاكرة مشروخة ولغة محنطة خرساء.

التبصير: يلحظ المتتبع لكتابات الشاعر محمد ولد عبدي حضور الثقافة الوطنية بشكل كبير كمتكئ لتجربته الإبداعية هل هذه المدرسة واسعة الانتشار في موريتانيا و ما موقفكم من الساحة الشعرية الموريتانية اليوم؟

حين بدأت تجربتي الشعرية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تواكب ذلك مع انفتاحي على التجارب الشعرية في المشرق والمغرب العربيين، وعلى ما تيسر من تجارب شعرية فرنسية وافريقية، كنت أشعر وقتها وبحدس فطري أن لكل مدونة من تلك المدونات خصوصياتها، وأن مشتركها لا يتجاوز حدّ جمال اللغة وفي بعض الحالات النادرة تماثل الموضوعات، كانت تلك التجارب تمتعني حدّ الحفظ، ولكنني لم أكن أجد فيها ذاتي مشاغبا يسعى إلى بصم خصوصيته الثقافية، كما بصمت هي ذاتها خصوصيتها السياقية المغايرة، بل أنني حين اطلعت على الشعر الموريتاني الفصيح وخصوصا القديم منه، لم أشعر بأي علاقة حميمية بيني وبينه، اللغة كلها مستعارة، الأماكن مستعارة، حتى ولو ضمَّها الحيزُ الجغرافي الموريتاني فإن تعريبها والصفات التي تُضفى عليها، تجعلها غريبة علي ومستعارة، الأخيلة مستعارة، الموضوعات – قديمها بل وحديثها- مستعارة، لهذا كله يممت شطر الشعر الشعبي ” الحساني” ووجدت أن أصحابه أقرب إلي، وأنهم يتحدثون عن أشياء أعيشها، واماكن أعرفها، و فقدٍ صادق أحسّه، فخضت في البدء تجربته وتشربت به نصوصا ، غير أنني بحكم البيئة الثقافية والتكوين الأسري وحرص الوالد رحمه الله على تحقيقي لشروط الفتوة ودراستي عليه للقرآن ومتون اللغة والشعر، كلها أمورٌ رجّحت كفةَ الفصحى في مساري، وتمحضت تجربتي الشعرية لها، واعيا بضرورة بصم خصوصيتي الإبداعية، وتجسيد تجربتي الشخصية، متخذا عبارة استوقفتني لابن حزم ذات قراءة في “طوق الحمامة” دستورا شعريا، يقول فيها: ” وما مذهبي أن أَنضِيَ مطيةَ سوايَ وأتحلَّىَ بحليٍ مستعارٍ“، ظلت هذه العبارةُ مذهبي وما تزال، أقمتُ حوارا ابداعيا بين الفصحى والعامية، وجعلتهما يتراشحان في روحي، وطَّنت قصيدةَ الحداثة في موريتانيا، ومهرتُها بخصوصيتنا الثقافية قنطرةً بين حضارتين، واعتقد أني بذاك الصنيع قد أضفت إلى الشعر العربي المعاصر سحنةً يفتقدها، وأَرفدتُه بماء بيئةٍ بكرٍ كانت إلى عهد قريبٍ غائبةً ومُغيبةً، لقد عملت على خلق رموز وطنية عمَّمتُ دلالتِها عربيا، وعلى اجتراح لغة خاصة لا تنتمي إلا إليَ خلاسيَ الرُّؤى والأحلام، واعتقد أن تلك التجربة قد هاجرت إلى نصوص بعض الشعراء الشباب المبدعين وتشربوها وعيا كتابيا ما يزال في طور التَّخَلق ولكنه واعد ومبهج وفارق وأصيل.

الجزء الثالث: ” المص”: آلية من آليات النبذ الاجتماعي والتَّسلط والعنف الرمزي ضدّ المهمشين في هذا الجزء الثالث و الأخير من المقابلة التي أجريناها مع الشاعر و الناقد د.محمد ولد عبدي تحدث عن الحراك الاجتماعي الذي تشهده موريتانيا وعن برنامج أمير الشعراء و أشياء أخرى في هذا الحوار الجري و الصريح..

التبصير: الآونة الأخيرة ظهر حراك اجتماعي و سياسي للطبقات المظلومة تاريخيا هل تعتقد أنه بدون توحد هذه الأصوات المشتتة القادمة من الهامش يمكن أن يحدث أي تغير راديكالي باتجاه إنصافها؟

أتابع عبر الانترنت ووسائل الاعلام ما يدور في الساحة الاجتماعية والسياسية الموريتانية وما يمور فيها من حراك ويتصادَى فيها من أصوات، ويتنادى فيها من تظلمات، وهو أمرٌ طبيعي يستجيب والشرطَ التاريخيَ المعيشَ في ظل انفتاح العالم وثورةِ الاتصالات وحركيةِ التواصل الاجتماعي، وهيمنةِ روح ما بعد الحداثة، التي استيقظت فيها الهوياتُ الأصولية في مختلف أنحاء العالم، غير أن ما يحدث في موريتانيا لا بدّ أن يُقرأ ضمن سياقه التاريخي وشرطه الاجتماعي، وأفقه المستقبلي، فنحن بلدٌ نشأ في حدّه الجغرافي وبنيته الاجتماعية ووظيفته السياسية بإرادة استعمارية، لا بحتميةٍ تاريخية، وأُقيمتْ هياكلُهُ التنظيمية على مرجعيات ثقافية تُكرس سلطةً نسقيةً خلقتها سردياتٌ تاريخيةٌ في أَزمنةِ التَّدافع وإرادة البقاء، لذلك ولهذا سيكون الانتقالُ من وضع الوجود القسريِ و ثقافةِ العنف الرَّمزي إلى الدولة المدنية الحديثة القائمة على مفهوم المواطنة أمراً عسيرا، له مخاضاتُه وتدافعاتُه واكراهاتُه، واعتقد أن الحراك الذي ذكرتَ هو نتيجة حتمية لخصوصية تلك النشأة كما أنه ضروري كخطوة لبلوغ دولة المواطنة المنشودة، غيرَ أنه ينبغي أن يحترز ابتدء من حمل العيوب النَّسقية ذاتها التي يقومُ عليها نسقُ السُّلطة (الثقافية والاجتماعية والسياسية)، فلا يَتَخَنْدق في هويات ضيقة عمياءَ كما حالُها، ولا يحترف العنف المادي والرمزي الذي تمتهنه، ولا يكرس الجَبْذَ والنَّبْذَ الذي تُمارسُه، إنه إن فعلها لن يكون سوى الوجهِ النَّسقي الآخر لتلك السّلطة، وساعتَها لن يستطيعَ كسبَ أي رهان إلا بمُغالبَةٍ عَجماءَ قد تطيح بالوجود كله، خصوصا بالنظر إلى هشاشة المنشئ المشار إليه.

غير أن مداخل النضال عديدة، أجلاها وآكدها الشراكةُ في التهميش، حيث الاقصاءُ المشترك والفقرُ المشترك والظلمُ المشترك والجهلُ المشترك، وهي مشتركاتٌ تتسعُ قاعدتُها ومنتسبوها بحجم تسلّطِ السلطة الزمنية، وتفشِي واستشراءِ الأنساق التاريخية، وساعتها ستضم بلا شك متظلمين مقصيين من مختلف شرائح المجتمع، لأن تلك المشتركاتِ مفاهيمُ لا هوية لها تاريخيا، وهذا صنيعٌ أجدى وأحزَّ في المفصل من التَمترُسِ خلفَ هواياتٍ شرائحية ضيقة لن تؤديَ إلا إلى تخندق مماثل يتوسل تاريخا لا يسنده سوى الاشتراك في ممارسة العنف الرمزي والتواطئ على نفي الآخر.

كما أن من مداخل ذاك النضال على المستوى المعرفي تفكيك الأنساق التقليدية المهيمنة وكشف حيَّلها السلطوية وقدرتها على التخفي في اللغة والرموز والاشارات، وفضح أساليبها في سلب الإرادات وتسريب المسلمات الخرافية وجعلها جزء من المخيال الجمعي، ولن يتحقق هذا المطلب الأخيرُ إلا بإرادة المعرفة وتحصيلها وتوظيفها من أجل تغيير الحال والمآل، وحينها سنكون جميعا موريتانيين هوية وانتماء، منصهرين في بوتقة واحدة متحدين في معركة وحيدة هي معركة التنمية والحلم المشترك، لا متخندقين في هويات خرساء تُفخِخُها كراهياتٌ متفلتةٌ. وبعد أوليست أمريكا بتعدد هوياتها بوتقة صاهرة أو قل جوزة هند، ظاهرها بألوانه وقلبها أبيض، لا يجمعها سوى حلم مشترك كبير؟

التبصير: أنتم عضو اللجنة العليا المنظمة لبرنامج “أمير الشعراء” مع ذلك يرى البعض أن الموريتانيين مستهدفون في هذا البرنامج و يظلمون باستمرار ما هو تبريركم لذلك؟

أعتقد أنه لن يظلم موريتاني في أمر أنا فيه شريك، ولا في أمر أنا عليه شاهد، وإن وقع وتلك استحالة، فقد سقطت من بساط الفتوة على حدِّ تعبير شهيد القوم “الحلاج”. وإن ما قمت به من دور- يعاتبني عليه دائما زملائي في اللجنة العليا ولجنة التحكيم، ويعرفه جيدا شعراؤنا الذين شاركوا في مختلف دورات البرنامج- لهو أمرٌ لا أسوِّقُه لأحد، لأني لا أساوم على وطني أحدا، إن كل من يتلفع بياء النسبة الموريتانية هو في قلبي مكين، وخاصة إذا كان شاعرا، فكيف تتصوره يُهضم حقا في أمر أنا فيه شريك؟ معاذ الله وأحسب ظن “البعض” في سؤالك هو عينه ” بعض الظن ” في الآية.

التبصير: ما هو آخر كتاب قرأتموه؟

من آخر ما قرأت من الكتب، كتاب لباحث مغربي يُدعى محمد بازِّي، بعنوان: ” نظرية التأويل التقابلي – مقدمات لمعرفة بديلة بالنص والخطاب – ” وهو مقاربة نقدية عميقة تسعى إلى بناء نظرية موّسعة حول ما أسماه بـ”الكون المتقابل” و “الكون النصي المتقابل” ثم ” التأويل المتقابل” انطلاقا من بنية عميقة مؤسسة للمعنى، قائمة على التقابل المثنوي أو المتعدد، وقد أقام تصوراته على مجموعة من الفروض الاستكشافية أختبر من خلالها عددا كبيرا من النماذج النصية والخطابية. ويتميز هذا الكتاب بأسلوبه الاستدلالي المتماسك ، وبنائه النظري الباذخ، ومصادره العلمية المتعددة.

التبصير: ماذا تعني لكم الكلمات الآتية: مصطلح “المص”, القلق, الموت, المنفى.

” المص”: آلية من آليات النبذ الاجتماعي ابتدعتها السلطة الثقافية امعانا في التَّسلط والعنف الرمزي ضدّ المهمشين، والأولى – إن وجد أصلا-أن يحترفه العارفون “بسرِّ الحرف” ومسالك العلوم، لا الأميون الذين لا يملكون تعبيرا ولا تدبيرا.

القلق: كلما ضاق الوطن واتسعت الأحلام فثمَّة للقلق وعشيرِه متسعٌ، ثم اعلم أيدك الله، أن الشعراء اعتادوا امتطاءَه ليلا عساهم إلى سدرة النص يفدون، وما “أبوعبادة” عن سنتهم بحائد، كيف وقد أمسك عروةَ الخمسين.

الموت: العدوة الوحيدة التي لا يحن إليها أحدٌ ولا يتغيب عنها أحدٌ.

المنفى: محرقة الروح وقلق السالكين، سألته من أنت ؟ قال: أنت.

التبصير: بماذا توصون الشعراء الموريتانيين الشباب اليوم؟

أوصيهم بعد تقوى الله، بالخروج من جلالبيب الماضي وخرف الذاكرة، وأن يدركوا أن الشباب ليس بالعمر وحسب وإنما بالفكر والرؤية والحلم، فيا ما رأيتُ شبابا في العمر ولكنهم للأسف أكثر ماضوية وتخلفا من أجدادهم، همُّهم التماهي بالماضي شعرا وفكرا ومسلكا فرديا وعلاقات اجتماعية، مُحنطي التفكير والتعبير، لا يبصرون أبعد من خطاهم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهيهات ذاك إن هو إلا العمى الثقافي والخسران العقلي المبين، كيف أدامكَ الله، لوطنٍ ذاك شبابُه أن يُؤسسَ كيانا أو يحفظ وحدة أو يحقق حلما، أو يسابق سلحفاة في ميدان؟ ولا تحسبنّ الشعرَ بمفازة من هذا الحكم، فأغلب ما في الساحة الموريتانية الحالية من شعر واستثني القلة القليلة، إن هو إلا أشباهٌ ونظائر، مُتشرنقا في لُحْمَته البلاغية وبما تُتيحه هندسةُ الكَلِمِ وأساليبُ المجاز من وجوه التوافق والتأليفات، ليس له بالمكان ولا بالانسان اتصالٌ، فكيف باستشراف أفق أو رسم رؤية أو حمل أمانة. ثم، أيدكَ الله، كيف التعبيرُ عن واقع موّارٍ حؤولٍ بشكلٍ متصلب المفاصل ثابتٍ كُرِّرَ منذ الجاهلية حتى يومنا هذا، أيعقلُ أن نرفلَ اليومَ في أزياء الجاهلية كما فُصِّلت في أبحر الخليل؟ أوليست الأشكالُ أكثر دلالة من المضامين؟، ومن ذا الذي يستطيع أن يعبئ بحرَ المحيط أو بحرَ الرمال المتحركة في قنينة على مقاس أربع تفعيلاتٍ أو ثلاثٍ في شطر واحدٍ، أتراها تسعُه؟ أم ترانا سنظل نعيش بأجسادنا في القرن الواحد والعشرين وبعقولنا في القرن الأول للهجرة؟ لذا فشبابنا بصفة عامة والشعراء منه بصفة خاصة مدعون أن يجسدوا في شعرهم ذواتَهم زمانا ومكانا وحلما مستقبليا مشاما، وأن يعملوا على التأسيس لخطاب وطني حداثي قادر على انقاذ الوطن من المصير الكارثي الذي يدفعه إليه المنتجعون أصحاب سياسة البطون و”الساعة التي أنت فيها”، وهو خطاب نحن أحوج ما نكون إليه الآن، وأكثر احتياجا إليه مسلكا أخلاقيا ، بعد ما استحكم فينا فقد المناعة الأخلاقي.

التبصير: شكرا لكم على الوقت و سعة الصدر

على خلفية التوزيع المجاني الذي قامت وتقوم به جمعية التعاون لمكافحة الفقر على مدى السنة وخاصة في الشهر المحرم قبل قليل من الآن .اتصلنا بأمينها العام السيد : السيد يورو ولد الدحداح واجري معنا الحوار التالي

 

في جو من الصراحة والبساطة استقبلنا شيخ مقاطعة ازويرات محمد ولد أفلواط في بيته تلبية لطلبنا إجراء

مقابلة ألقي قبلها محاضرة مطولة حول مشكل الوحدة الوطنية وللحمة بين مكونات الشعب

لدي حلم هو لدى الكثير من الموريتانيين, حلم بوجود دولة مزدهرة قوية ومتقدمة, دولة تتصالح فيها ثروتها الضخمة مع واقع سكانها – الذين لا يصلون لأربع ملايين- المعيشي, دولة تتمتع ببنية تحتية مناسبة كباقي دول العالم, دولة البناء والتقدم في ظل العدالة والاستقرار, دولة يرتفع فيها مستوى دخل الفرد الموريتاني وتقل نسبة البطالة وتوزع فيها الثروة بعدالة, دولة ينسجم فيها سلوك قادتها مع طموح شعبها .

هو إذا حلم لدينا إمكانية تحقيقه لكن ذلك أمر يتطلب أمورا رئيسية أولها استقلال القضاء فمعروف أن الضامن الوحيد للاستثمارات الداخلية والخارجية هو استقلال القضاء فدولة قضاؤها غير مستقل لا يمكن للمستثمرين المجازفة بالاستثمار فيها , ثاني تلك الأمور هو الاستقرار السياسي وهذا واجب الطبقة السياسية بشكل عام, فعدم الاستقرار السياسي أي الانقلابات العسكرية المتكررة وتغيير الأنظمة بين الفينة والأخرى أمور لا يمكن معها بناء ولا تقدم بل هي عامل طرد للاستثمار , أما الأمر الثالث فهو توفر بنية تحتية مناسبة للاستثمار كوجود طاقة كهربائية مناسبة للمصانع والشركات الكبرى وشبكة انترنت قوية وهذا واجب الحكومات والجهات الرسمية .

الفكرة :وضع إستراتيجية واضحة المعالم و القيام بحملة إعلامية وحملة علاقات لتشجيع المستثمرين المحليين والأجانب بتقديم التسهيلات المناسبة كالإعفاء من الضرائب لمدة زمنية معينة وكذلك إعطاء كل الضمانات الممكنة , والعمل ببعض الصفقات المعاصرة كأن تعلن الدولة عن إعطاء قطع أرضية لمن أراد أن يبني فيها أحياء سكنية أو مباني أو أسواق بمواصفات حديثة مقابل أن يأخذ هو منفعتها لعشرين سنة مثلا وهو نظام معمول به في كثير من دول العالم وجاذب للاستثمار ويجب التركيز على الصناعات المعدنية والبنية التحتية والثروة الحيوانية وما بقي من السمكية.

كل الدلائل تشير إلى أن العاصمة نواكشوط معرضة للغرق خلال سنوات معدودة ثم إنها هي أصلا لا تصلح لأن تكون عاصمة فتخطيطها غير صالح وزاده فساد الأنظمة وفوضوية البداوة وسلوك " الكزرة" وإصلاحها من شبه المستحيل لذلك من الأفضل البدء في بناء عاصمة جديدة تكون بعيدة بالقدر الكافي عن المحيط ويتم تخطيطها التخطيط المناسب أما تكاليف البناء إذا كانت الدولة لا تتوفر على السيولة الكافية فإنه يكفى أن تقوم التخطيط المناسب وشق الطرق ثم تدعوا المستثمرين للعمل بالفكرة السابقة ووضع صكوك استثمار وبالتالي بعد سنوات تصبح لدينا مدينة عصرية واستثمار قوي .

هو حلم سهل تحقيقه وفكرة سهلة التطبيق فقط تبقى الإرادة هي الحائل دونه , نرجو الله أن يقيض له من يقوم به.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصفحة 1 من 2